ما أظن أن أحدًا يحلم مثلًا لأن نبعث رحلات لاستكشاف الفضاء، ونحن لم نُدرك الإنسان الذى يعيش على الأرض
هذا كتاب جديد صدرت طبعة جديدة منه من هيئة الكتاب، وعندما كنت أحضر اجتماعًا من اجتماعات الهيئة أهدانى هذا الكتاب الدكتور خالد أبو الليل رئيس مجلس إدارة الهيئة.
ومؤلف الكتاب ناقد أدبى مهم، وكما يقول الدكتور سامى سليمان أحمد الناقد الأدبى المعاصر لنا فى تقديمه لهذا الكتاب، فإنه يؤكد أن الدكتور شكرى محمد عيَّاد «1921 - 1999» ناقد وبلاغى ومُترجم ومُفكِّر مصرى بارز فى مرحلة النصف الثانى من القرن العشرين. وصاحب مشروع نقدى قليل النظير فى تلك المرحلة.
إنه أديب مُبدع فى مجال القصة القصيرة خاصة، ثم فى مجالات الرواية والسيرة الذاتية والشعر. وهو صاحب كتابات صحفية فى الشأن العام. ويستند مشروع الدكتور شكرى عياد الثقافى إلى جوهرٍ ثابت مداره تحقيق الأصالة بمعنى الصدور عن متطلبات الوضع الحضارى الذى يصلنا بالثقافة الأوروبية من جانب، ويفرض علينا قراءة تراثنا من جانب آخر لنعيد إحياء ما يستحق الحياة من رؤاه ونظرياته ومفاهيمه لنُدمِجه فى ثقافتنا الحديثة والمعاصرة التى تستجيب لتطلعاتنا الحضارية والوجودية.
وإذا كان النقد الأدبى يمثل المرتكز الرئيسى فى مشروع شكرى عياد الثقافي، فهو واحد من المنظرين القلائل فى مجال الأدب النقدى الحديث، إذ طمح إلى أن تكون تنظيراته تفعيلًا لجوهر حضارتنا واستجابة لمتغيرات واقعنا الحالي.
ويقدم كتابه قائلًا إن هذا الكتاب فى نقد الشعر المعاصر، وليس معرضًا لنماذج منه. ولا مهرجانًا يفوز فيه من يفوز ويُحرَم من يُحرَم. كل شعرٍ يجيء فى ثنايا الكتاب هو شعر فيه شيء من جوهر الشعر أياً كان مذهب الشاعر إحيائيًا أو واقعيًا أو حداثيًا، وجوهر الشعر إحساس بالحياة ومحاولة لتشكيل هذا الإحساس فى لغة قادرة على أن تأخذنا من الحياة التى نعرفها ثم تُعيدنا إليها.
هذا الفعل الشعرى يستلزم نوعًا من الإيقاع نسميه فى العادة وزنًا. ولكن جوهر الشعر دائمًا يكمُن وراء هذا الوزن. أما النقد فجوهره يتغلغل فى ثنايا العمل الشعرى ليجلو الإحساس الذى صدرت عنه القصيدة، والواقع الجديد الذى حاولت أن تنقلنا إليه. فهو عمل تحليلى وصفى محض، لا يُقيِّم الإحساس ولا الواقع الذى ترمُز إليه القصيدة. أى أنه باختصار لا يُقيِّم القصيدة التى تستحق هذا الاسم. أما القصيدة التى تتعثر بين الإحساس والجسم الذى تُفرِد فيه هذا الإحساس فهى عندنا لا تدخل تحت مسمى الشعر.
الشعر والنقد كلاهما إذًا نابع من الحياة، وكلاهما حافز لتغيير الحياة، وهما بذلك أهم عملين يمكن أن يقدم عليهما الإنسان، بل هما أجمل تعبير عن إنسانيته، لأن الصفة التى انفرد بها الإنسان عن سائر مخلوقات الله هى إرادة التغيير والقُدرة عليه. وكلمة الحياة وهى موضوع هذا التغيير أعم من أن يحيط بها التعريف، فهى تُعادل الإنسان نفسه. وفى هذا يلتقى الدين والشعر، وقد قال سبحانه وتعالى: «إن الله لا يُغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم».
فإذا كان الشعر فى أزمة، فالإنسان فى أزمة، والإنسان أمره غريب مثل الحياة التى وضعه الخالق على قمتها. فكل ما فى الحياة متميز عن غيره. وكلها قائمٌ بغيره. فالإنسان كذلك لا يوجد إلا فردًا، ولا يمكن أن يستمر فردًا. فأزمة الإنسان هى أزمة الفرد وأزمة الجماعة معًا.
وعندما يتحدث الدكتور شكرى عياد عن أزمة الشعر المعاصر فهو يريد الحديث عن أزمة الحياة، وأزمة الإنسان. ويتلمس طريقًا للخلاص، وقد تكون أزمة الإنسان المعاصر فى كل مكانٍ من العالم، ولكنها غطت عليها الاختراعات المادية ولعل أخطرها وسائل الاتصال. وكذلك أزمة الشعر. فالنقد العالمى المعاصر يحصر نفسه داخل نص القصيدة ويبتعد عن الإنسان.
وإذا نحن استطعنا -قبل أن يجرفنا التيار- أن نفهم أزمة الشعر وأزمة الإنسان، قد تكون هذه إضافة للثقافة العالمية، وما أظن أن أحدًا يحلم مثلًا لأن نبعث رحلات لاستكشاف الفضاء، ونحن لم نُدرك الإنسان الذى يعيش على الأرض.
إنه كتابٌ مهم لناقد مهم، من سوء حظنا أننا عاصرناه فترة قصيرة من أعمارنا، ولكن هذا الكتاب كفيل بأن يجعلنا نُعايشه ونعود إليه ونستمتع بما كتبه كما لو كنا قد عاصرناه فى حياته. والمعاصرة مسألة شديدة الأهمية بالنسبة للإنسان فى كل زمانٍ ومكان.

شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»
التعامل مع البنوك بالتليفون ممنوع







