الأب الذى ركب «لودر» فى سوهاج منذ عدة أسابيع، وذهب إلى بيت ابنته الأرملة ليهدمه فوق رأسها وبناتها، يجسد واقعاً مأساوياً لظلم النساء والعدالة الغائبة.
أكثر ما يؤلم أن تُحرم امرأة من حقها فى الميراث، لا لشيء إلا خوفًا من انتقال الثروة لغير الذكور، هذا ليس مجرد ظلم وتعسف وقهر، بل انحراف أخلاقى يحتاج إلى تصحيح جذرى، يبدأ من الوعى وينتهى بتطبيق العدل.
وأكثر ما يؤلم هو ارتفاع نسب الطلاق، والمرأة غالبًا تدفع الثمن الأكبر، وتبقى مع الأطفال، تتحمل العبء وحدها، وتعيد بناء حياتها من الصفر، فى حين ينطلق الرجل ليعيش حياته حراً بلا قيود.
وأكثر ما يؤلم قضايا النفقة و الرؤية والحضانة والشقة، وتتحجر القلوب وتتوحش المشاعر، ويقف الجميع ضد الطرف الضعيف، المرأة التى ينهش الجميع حقوقها.
إننا بحاجة إلى إعادة تعريف الزواج، ليكون مسئولية مشتركة لا علاقة استهلاكية تنتهى عند أول اختبار، نحتاج إلى تربية جديدة تُعلّم الاحترام، وتُرسّخ المودة، وتُقدّر الشراكة الحقيقية، فالمجتمع الذى لا يهيئ أبناءه للحياة، يتركهم فريسة للفشل والانكسار.
آن الأوان أن ننصت لوجع النساء، وأن نرى معاناتهن الحقيقية، وأن نزيل ما تبقى من ظلم، وأن نبنى واقعًا يُنصف المرأة لا بالشعارات بل بالفعل، فكرامة المرأة هى معيار إنسانية أى مجتمع.
الانحراف هو أن تتحول الرحمة إلى قسوة، والعدل إلى استبداد؟، لقد جعل البعض الطلاق كلمة عبثية تُقال بلا وعى، تهدم البيوت وتكسر النساء وتشرّد الأطفال، ثم يزعمون أنهم يحكمون بشرع الله، وهذا ليس من الدين فى شيء.
لم يعد إنصاف المرأة مجرد شعار حقوقى أو خياراً ترفيهياً تطرحه النخب، بل ضرورة وجودية، وحتمية لا غنى عنها لأى مجتمع ينشد النهضة الحقيقية، والمعيار الحضارى للأمم ليس ما تشيده من عمران أو ما تحققه من أرقام اقتصادية، بل فى العدل الاجتماعي، ولا يمكن لنسق أن يستقيم فى بيئة تُسلب فيها حقوق المرأة أو تُنتهك كرامتها.. بناء الإنسان يسبق تشييد البنيان، والعدالة التى تبدأ بتمكين المرأة هى الضمانة الوحيدة لتماسك المجتمعات وقدرتها على التحليق بجناحين كاملين نحو المستقبل.
آن الأوان لامتلاك الجرأة الكافية لمواجهة الخلل وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، فالمرأة هى الشريك الكامل فى مسيرة البناء، والركيزة الأساسية التى يستند إليها الاستقرار، والنور الذى لا يكتمل بهاء الوطن إلا بإطلاقه، والاعتراف بمكانة المرأة ليس هبةً من أحد، بل استحقاق الوجود، الذى بدونه يظل أى مشروع وطنى منقوص السيادة.
آن الأوان لإخراج القوانين المعطلة من غياهب الأدراج، فحقوق النساء لا تقبل التأجيل، والإنصاف ليس مجرد مطلب، بل ضرورة أخلاقية، والمخاطرة الحقيقية لا تكمن فى الدفاع عن حقوق المرأة، بل فى الصمت المطبق على استمرار ظلمها.


مغامرون فى جبل الكنوز
انتهت الاحتفالات وبدأت الاستعدادات
ما بعد المواجهة





