يوميات الأخبار

إبريل فى التاريخ المصرى المعاصر

د.محمد عفيفى
د.محمد عفيفى


هو شهر الأحداث الثانوية، أو غير الحادة، وغير الفاصلة فى التاريخ

حاولت فى يومياتى السابقة فى جريدة الأخبار الغراء، رصد وتحليل أهم وقائع وحوادث التاريخ المصرى المعاصر، عبر شهور السنة، فى محاولة منى لإنعاش الثقافة التاريخية، ومن ناحية أخرى لإشراك القارئ الكريم فى تتبع وفهم تحولات هذا التاريخ الزاخر.

وجاء دور شهر إبريل، والكتابة عن أهم الوقائع والحوادث التاريخية به. وأشهد أنى ترددت كثيرًا فى كتابة هذه اليوميات عن إبريل، وربما يعود ذلك لأسباب شخصية، وأيضًا لعوامل تاريخية. وأستميح القارئ عذرًا فى الحديث عن الأسباب الشخصية، مع العلم أن من يعرفنى جيدًا يعلم أننى -وبحكم طبيعة المؤرخ- لا أميل إلى الحديث عن أشياء شخصية، فحديث المؤرخ دائمًا يكون عن وقائع وأحداث عامة، وحتى تحليله لهذه الأحداث ينبغى أن يتسم بأكبر قدر من الموضوعية، علمًا بأن الموضوعية هى أمر نسبى إلى حدٍ ما. لكن دعنى أصارحك أيها القارئ الكريم أننى لا أفضل، بل ولا أحب، شهر إبريل لأسباب شخصية، بالقطع لا يتعلق الأمر هنا ببداية الشهر، وما يصاحبه من دعابة «كذبة إبريل»، هذه الدعابة الشهيرة التى وصلت إلى أن تكون اسمًا لفيلم كوميدى شهير فى تاريخ السينما المصرية، فيلم «كدبة إبريل» الذى عُرِض فى عام 1954، وبطولة النجم الكوميدى المشهور «إسماعيل ياسين». وبالمناسبة لا أدرى كيف نسينا هذه الدعابة أو تجاوزها الزمان مع سرعة إيقاعه، وربما لكثرة الأكاذيب طول العام.

يرجع عدم حبى لشهر إبريل فى حقيقة الأمر أولاً لسبب شخصي، وهو إصابتى منذ الطفولة بداء الجيوب الأنفية، ومع بداية فصل الربيع، الذى هو فى حقيقة الأمر ليس أفضل فصول السنة، ومنذ الأسبوع الأخير من مارس، وبصفة خاصة النصف الأول من شهر إبريل، تشتد رياح «الخماسين»، المحملة بالتراب، وحبوب اللقاح، وتبدأ معها حساسية الأنف والعين، فضلاً عن اضطراب حالة الجو بشكل عام، وربما عانينا -جميعًا- من ذلك فى الأسابيع الماضية. لذلك أُفضِّل أنا شخصيًا فصل الخريف، واعتدال واستقرار الجو، من منتصف شهر سبتمبر، وربما حتى النصف الثانى من شهر ديسمبر.

أمر آخر يجعلنى -كمؤرخ هذه المرة- لا أميل إلى شهر إبريل، هو موقع هذا الشهر فى التاريخ المصرى المعاصر، وطبيعة أحداثه ووقائعه. وبشكل عام لا يتميز شهر إبريل بوقوع حادث هام، أو ثورة، أو انقلاب، فمعظم أحداث شهر إبريل هى وقائع ثانوية إلى حدٍ ما، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بأحداث سبقتها فى الشهور السابقة عليه، أو أحداث تمهيدية لوقائع هامة ستحدث فى الشهور التالية عليه. هل نستطيع القول بأن شهر إبريل هو شهر «ثانوى» فى التاريخ المصرى المعاصر؟ ربما، ولكنى لا أستطيع التأكيد على ذلك، لأنى لا أجد تفسيرا علميا ومنطقيا للأمر، لكنه على أية حال ليس من الشهور الفارقة فى تاريخ مصر.

الدستور 23

من الأحداث الهامة فى إبريل صدور الدستور المصرى فى 19 إبريل 1923، هذا الدستور الذى اشتهر فى التاريخ بدستور 23. والملاحظ أن هذا الدستور وصدوره يرتبط ارتباطًا وثيقًا بحدث مهم من أهم أحداث التاريخ المصرى فى النصف الأول من القرن العشرين وهو ثورة 1919، التى اندلعت فى 9 مارس 1919، فى أعقاب اعتقال الإنجليز لسعد زغلول ورفاقه ونفيهم خارج البلاد. من هنا ارتباط الدستور بالثورة، بل وبتاريخ الحركة الوطنية المصرية، منذ الثورة العرابية 1881-1882، وعودة الحركة الوطنية فى مطلع القرن العشرين، إذ كان الدستور هو حلم المصريين. كما يرتبط صدور الدستور فى إبريل 1923 بأمر آخر مهم وفارق فى تاريخ مصر المعاصر وهو صدور تصريح 28 فبراير 1922، ورفع بريطانيا الحماية عن مصر، وبالتالى التمهيد لاستقلال مصر -حتى لو كان جزئيًا- وإعلان قيام المملكة المصرية، والاعتراف الدولى بمصر كدولة مستقلة، وما ترتب على ذلك من دعوة الملك فؤاد إلى تشكيل لجنة لإعداد الدستور، هذا الدستور الذى صدر بعد ذلك فى إبريل 1923.

من هنا يتضح أن تاريخ صدور الدستور يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأحداث الهامة السابقة عليه. كما يرتبط دستور 23 نفسه بأحداث أخرى هامة لاحقة، لا سيما عندما أعلن صدقى باشا -رئيس الوزراء- إلغاء دستور 23 فى عام 1930، وأصدر دستورًا آخر هو الذى عُرِف بدستور 30. وما أعقب ذلك من انتفاضة للحركة الوطنية المصرية من أجل عودة دستور 23، هذه الانتفاضة التى دامت لعدة سنوات، حتى استطاعت الحركة الوطنية إسقاط دستور 30، وعودة دستور 23، هذا الدستور الذى استمر كعقد اجتماعى للحركة السياسية والقانونية فى البلاد، حتى إلغائه بعد ثورة 23 يوليو 1952، وتوالى صدور عدة دساتير وإعلانات دستورية.

الحدث الآخر الهام نسبيًا فى شهر إبريل، هو وفاة الملك أحمد فؤاد الأول، فى 28 إبريل 1936. ويعتبر فؤاد هو أول ملك فى تاريخ مصر فى القرن العشرين، مع الأخذ فى الاعتبار أنه كان سلطانًا على البلاد، حتى تم تنصيبه ملكًا بعد تصريح 28 فبراير 1936. ولن ندخل هنا فى وقائع تاريخ فؤاد، سواء عندما كان أميرًا، ثم سلطانًا، ثم ملكًا، ولكن ما يهمنا هنا هو واقعة وفاته، نظرًا لارتباطها -بعد ذلك- بحدث آخر أهم فى واقع الأمر، هو تنصيب فاروق الأول ملكًا على مصر، فى البداية كان ملكًا تحت الوصاية نظرًا لصغر سنه، ثم ملكًا مع كافة الصلاحيات بعد قليل، وبعد جدل حول التقويم الميلادى والتقويم الهجري.

فاروق ملكًا 

وقد تُفاجأ أيها القارئ الكريم أن إعلان فاروق ملكًا على مصر كان أمرًا مُرحبًا به فى جميع الأوساط المصرية، بل وحتى فى صفوف الجيش المصري. وهنا أود تذكير القارئ بمشهد مهم فى الفيلم الشهير «رد قلبي»، هذا الفيلم الذى أُنتِج فى عهد الثورة، هناك مشهد مهم بين بطلى الفيلم عليّ وصديقه الضابط الوطني، أو بين شكرى سرحان وكمال ياسين، لحظة خلع صورة الملك فؤاد ورفع صورة الملك فاروق على حائط المكتب العسكري، وقول الضابط: «هذا هو الأمل الجديد». وبالفعل كانت شعبية الملك فاروق، شعبية كاسحة فى سنواته الأولى، حتى إن جمال عبد الناصر والسادات، كتبا بعد ذلك أن الجيش كان قد قرر التحرك للدفاع عن مليكه فى مواجهة التعنت الإنجليزى أثناء حادث 4 فبراير 1942، وحصار الدبابات الإنجليزية لقصر عابدين.

25 إبريل 1982 

أمر آخر فى شهر إبريل، لكنه ثانوي، لأنه مرتبط ارتباطًا وثيقًا بما قبله، وأيضًا بما بعده، وهو تصاعد الصراع على الحكم الذى عُرِف بأزمة مارس 1954، فى 8 إبريل بين جناح محمد نجيب من ناحية، وجناح عبد الناصر من ناحية أخرى. هذا الصراع الذى ترتب عليه بعد ذلك نجاح جناح عبد الناصر فى اعتقال نجيب، ووضعه قيد الإقامة الجبرية فى فيلا فى ضواحى القاهرة، ووصول عبد الناصر إلى الحكم بشكل كامل.

وبالقطع هناك يوم لا يُنسى فى التاريخ المصرى المعاصر، وهو 25 إبريل 1982، هذا اليوم الذى أصبح فى حقيقة الأمر عيدًا قوميًا، هو عيد تحرير سيناء. ويرتبط ذلك التاريخ ارتباطًا وثيقًا بأحداث مهمة ومثيرة فى التاريخ المصري؛ إذ لا نستطيع فهم تاريخ 25 إبريل دون الإشارة إلى تاريخ أكثر وجعًا فى الذاكرة المصرية، وهو حرب 5 يونيو 1967، واحتلال إسرائيل لسيناء، ووصولها إلى الضفة الشرقية لقناة السويس. كما يرتبط هذا العيد -25 إبريل- ارتباطًا وثيقًا بالانتصار العربى الوحيد فى القرن العشرين، وهو انتصار 6 أكتوبر 1973، وعبور القوات المصرية قناة السويس. كما يرتبط 25 إبريل أيضًا بمسيرة أخرى من المفاوضات المصرية- الإسرائيلية، والانسحاب الإسرائيلى على مراحل من سيناء، حيث كانت المرحلة الأخيرة هى التى تمت فى 25 إبريل 1982.

6 إبريل 2008

ويرى البعض أن 25 إبريل لم يكن نهاية المطاف لتحرير سيناء؛ إذ ماطلت إسرائيل كعادتها فى الانسحاب من منطقة طابا، لكسر فرحة مصر فى 25 إبريل 1982 بعودة كامل سيناء، وعلى أمل أن تنجح فى الاحتفاظ بهذه المنطقة الاستراتيجية المهمة على رأس خليج العقبة. لكن مصر دخلت معركة دبلوماسية من أجل استعادة طابا، وعبر جولات عدة من المفاوضات، انتهت إلى التحكيم الدولي، الذى أنصف مصر وعادت طابا من جديد إلى حضن الوطن.

ومن الأحداث المثيرة فى تاريخ مصر المعاصر، الحادث المعروف بـ6 إبريل 2008، وإضراب عمال المحلة الكبرى. ويرتبط هذا الحادث ارتباطًا وثيقًا بتنامى الحركات الاحتجاجية فى السنوات الأخيرة من حكم الرئيس مبارك، لا سيما بعد 2005، وتطور الأمر بعد ذلك، وعلى مراحل، وبشكل درامي، وصولاً إلى 25 يناير 2011.

على أية حال إنه شهر إبريل، بدايات الربيع، هذا الربيع الذى لا يحبه كاتبنا الكبير نجيب محفوظ، فهو فصل «الغبار»، وكان محفوظ لا يعمل فى الربيع نظرًا لتأثير الغبار على حساسية العيون لديه.

وهو شهر الأحداث الثانوية، أو غير الحادة، وغير الفاصلة فى التاريخ، فهو شهر الأحداث التابعة لحوادث هامة قبلها، أو شهر الأحداث التى تعتبر تمهيد لوقائع فاصلة تالية.