الحضارة المصرية من أقدم الحضارات البشرية، إن لم تكن أقدمها. وقد عاش المصريون منذ ما قبل التاريخ، على ضفاف نيل واحد، تحت سماء واحدة، تجمعهم وطنيتهم، حتى صاروا كالقبيلة الواحدة، التي تربط قسماتها روابط حب الوطن والتفاني من أجله. عاش المصريون في أحلك اللحظات يتقاسمون الفرح والحزن، والخير والشدة، مسلمون ومسيحيون، أخوة يعتزون بأنهم مصريون.
إن المصريين نموا وعاشوا كنسيج واحد تشابكت خيوطه عبر قرون طويلة، حتى صار من المستحيل أن تفك عقدته أو تهلهل أطرافه، وقد تعلم الأبناء من أبائهم إن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في مصر ليست علاقة جوار فحسب، بل هي علاقة دم ومصير مشترك، ولا أنسى ما قصه علي والدي يوم ما، بل! إنني أتوق لتلك الأيام، فبينما كان يلهو مع الصبيان، وقع فكُسر ذراعه، لتحمله جارتهم المسيحية (أم نبيل) وتجري به إلى المستشفى، لتجبير الكسر، ثم لتعود به إلى أمه.
يشهد التاريخ أن أرض مصر لم تفرق يوماً بين مسجد وكنيسة إلا في موضع العبادة. أما الميدان والبيت والشارع، فالكل سواء، يد واحدة، فمآدب طعام إفطار شهر رمضان، تجمع أحمد وبطرس جاره وأخاه، وجذور الوحدة ضاربة في عمق التاريخ، فمع الفتح الإسلامي لمصر في العام 641 ميلادية على يد عمرو بن العاص، وجد المسيحيين الأقباط يعانون من اضطهاد الرومان بسبب اختلاف المذهب. فكان دخول الإسلام إيذاناً بعهد جديد من التسامح الديني. وأعطى عمرو بن العاص الأمان لأهل مصر، وقال قولته الشهيرة لبطريرك الأقباط بنيامين: "لكم ما لنا وعليكم ما علينا"، لتتشكل ملامح التعايش والإيخاء منذ ذلك اليوم بدأت.
وقد تشارك المصريون دون تفريق في بناء حضارتهم العظيمة في العصور التالية، بل! كان الأقباط عماد الإدارة والدواوين في العصر الأموي والعباسي والفاطمي، نظراً لأنهم أهل خبرة بالحساب والكتابة، أما المسلمون فكان لديهم خبرة واسعة في أمور الزراعة والتجارة، فلم يشعر أحد أنه غريب في وطنه. ومن يقرأ صفحات التاريخ يجد مواقف خالدة سجلها التاريخ، مواقف تدمع لها العين. ففي ثورة عام 1919، رفع الهلال مع الصليب في ميدان التحرير، بل! ووقف القس سرجيوس يخطب في الأزهر الشريف. وهتف المصريون جميعاً: “يحيا الهلال مع الصليب". لم يسأل أحد وقتها عن دين جاره، بل كان السؤال: متى نتحرر من المحتل؟
وفي حرب أكتوبر 1973، كان الجندي المصري (المسلم والمسيحي) في خندق واحد، يموتان دفاعاً عن تراب الوطن، الدم المصري الذي سال على رمال سيناء، يتقاسمان شربة الماء ولقمة العيش. وحتى في المحن، كان النسيج متماسكاً.والأدلة كثيرة، فعندما احترقت كنيسة القديسين بالإسكندرية عام 2011، كان أول من هرع للإسعاف والدم هم شباب المسلمين. وعندما نالت يد الغدر من مساجد في شمال سيناء، التي تم تفجيرها، كان المسيحيون أول المنقذين وأول المتبرعين بدمائهم، فالمصاب واحد، والوجع واحد.
نعم إنها روابط اجتماعية لا تنفصم في الحارة المصرية، لا تعرف بيت المسلم من بيت المسيحي إلا حين يؤذن المؤذن أو تدق أجراس الكنيسة. والجيش المصري فيه القائد المسلم والمسيحي، والجندي المسلم والمسيحي، وكلهم يقسمون على حماية الوطن، وفي المناصب، يتولى الأقباط الوزارة والقضاء والجامعات، كما يتولى المسلمون، فالكفاءة هي المعيار، والوطن هو الجامع. وكيف لا! واللغة واحدة، والملامح، والأحزان مشتركة والأعياد مشتركة، حتى الزغاريد واحدة، والنكتة واحدة، حتى الهم واحد.
في مصر المسلم حين يفرح يقول: “الحمد لله"، وحين يحزن يقول: “يا رب"، وهي نفس مفردات المسيحي. وفي البيع والشراء، الزبون لا يسأل عن دين البائع، بل عن جودة بضاعته وأمانته. هذه الشراكة جعلت النسيج الاقتصادي والاجتماعي متيناً.
ومما لاشك فيه إن تلك الروابط، قد حاول الغزاة والطامعون أن يأخذوا من قوتها على مر التاريخ، وأن يدقوا أسفيناً بين المسلمين والمسيحيين في مصر، إلا إن محاولات الهلهلة قد باءت بالفشل، فحاولت الحملات الصليبية أن توهم الأقباط أنهم أقرب للأوروبيين من المسلمين، فرفض الأقباط ووقفوا مع إخوانهم المسلمين ضد الغزاة. كما حاول الاستعمار البريطاني أن يلعب بورقة “حماية الأقليات"، فرد عليهم البابا كيرلس الخامس والأزهر الشريف بموقف واحد: نحن شعب واحد لا نحتاج وصاية.
تهنئة للأخوة المسيحيين، من قلب النسيج الواحد: أعياد مباركة تملأ البيوت بالرجاء، تملأ مصر بالفرحة، أعيادكم بهجة لمصر، وشموع كنائسكم نور يضيء ليالها، وكلما دق جرس الكنيسة، رد عليه الأذان من المئذنة، في لحن واحد اسمه مصر.
فمصر ليست وطناً نعيش فيه، بل وطن يعيش فينا، حفظ الله مصر.
كاتب المقال: كاتب ومحلل وأستاذ نظم المعلومات الجغرافية بجامعة الفيوم

شريف زرد يكتب: كيف أعاد كريم بدوي رسم خريطة الطاقة وهيكلة "البترول" من الداخل؟
عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟







