سميحة شتا
تتحرك فرنسا بقيادة الرئيس إيمانويل ماكرون فى مسار دبلوماسى وأمنى معقد لإعادة فتح مضيق هرمز وتأمين الملاحة فيه، فى لحظة إقليمية شديدة الحساسية أعقبت تصعيدًا عسكريًا غير مسبوق بين الولايات المتحدة وإيران، وما ترتب عليه من تعطّل شبه كامل لحركة الشحن فى أحد أهم شرايين الطاقة العالمية.
وفى هذا السياق، أعلن ماكرون أن أكثر من 15 دولة انخرطت فى مبادرة متعددة الجنسيات تهدف إلى تسهيل استئناف المرور عبر المضيق، مؤكدًا أن هذه الجهود تأتى فى إطار «مهمة دفاعية بحتة» وبالتنسيق مع إيران، بما يعكس تحولًا لافتًا نحو مقاربة تعاونية بدلًا من الخيار العسكرى الذى طُرح سابقًا، وفق ما نقلته وكالة رويترز، فى وقت تسعى فيه باريس إلى استثمار لحظة وقف إطلاق النار المؤقت لإعادة ترتيب المشهد الأمنى فى المنطقة.
اقرأ أيضًا| مبعوث روسيا يزور الولايات المتحدة لإجراء محادثات ثنائية حول الاقتصاد
تكتسب هذه المبادرة أهميتها من الطبيعة الاستراتيجية لمضيق هرمز، الذى يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، ما يجعل أى اضطراب فيه عاملًا مباشرًا فى تقلبات الأسواق وتهديد سلاسل الإمداد. وقد أدى التصعيد الأخير إلى حالة من الشلل فى حركة الملاحة، حيث علّقت شركات شحن كبرى، مثل «ميرسك»، عملياتها أو خفّضتها بشكل كبير، مع اعتماد بدائل لوجستية مكلفة مثل «الجسر البرى» عبر موانئ الخليج، فى محاولة لتجاوز المخاطر الأمنية المتزايدة.
ومع إعلان وقف إطلاق النار المؤقت بين واشنطن وطهران، برزت فرصة حذرة لإعادة تقييم الوضع، إلا أن شركات الشحن ما زالت ترى أن هذا الاتفاق لا يوفر «يقينًا بحريًا كاملًا»، ما يعكس هشاشة التهدئة واستمرار المخاوف من أى انتكاسة مفاجئة، بحسب تصريحات الشركة لرويترز، وهو ما يفسر التردد فى العودة السريعة إلى العمليات الطبيعية.
فى هذا المناخ، تحاول باريس تقديم نفسها كوسيط قادر على الجمع بين الأطراف المتنازعة، مستفيدة من تقليد دبلوماسى فرنسى يميل إلى الاستقلالية عن الموقف الأمريكى، وهو ما ظهر فى محطات تاريخية عدة، من رفض المشاركة فى غزو العراق عام 2003 إلى تبنى مواقف متمايزة فى ملفات الشرق الأوسط.
اقرأ أيضًا| روبنز: أسواق الطاقة وهرمز دفعا ترامب لقبول الهدنة
ووفق ما أوردته تقارير إعلامية، فإن فرنسا عارضت، إلى جانب روسيا والصين، أى توجه داخل مجلس الأمن يفتح الباب أمام عمل عسكرى ضد إيران، معتبرة أن استخدام القوة فى هذه الحالة يفتقر إلى الشرعية الدولية وقد يؤدى إلى تداعيات واسعة النطاق. هذا التوجه يعكس أيضًا إدراكًا أوروبيًا متزايدًا بأن أمن الطاقة لا يمكن ضمانه عبر التصعيد العسكرى، بل من خلال ترتيبات جماعية توازن بين المصالح المختلفة..
وتقوم المبادرة الفرنسية على مزيج من الأدوات الدبلوماسية والعملياتية، حيث تسعى إلى إنشاء آليات تنسيق بين الدول المشاركة لضمان حرية الملاحة، ووضع معايير مشتركة للتعامل مع التهديدات، إضافة إلى تعزيز التعاون مع المؤسسات الدولية لضمان الشفافية والشرعية. وتشير المعطيات إلى أن هذه الجهود قد تشمل تشكيل قوة بحرية ذات طابع دفاعى لمرافقة السفن التجارية، وهو خيار يهدف إلى طمأنة شركات النقل والتأمين دون استفزاز الأطراف الإقليمية أو دفعها إلى التصعيد. كما تركز المبادرة على بناء قنوات اتصال مباشرة مع إيران لتجنب سوء الفهم أو الحوادث العرضية التى قد تؤدى إلى تفجر الأوضاع مجددًا.
ولا يمكن فصل هذه التحركات عن السياق الأوسع للتنافس الدولى فى المنطقة، حيث تسعى أوروبا إلى استعادة دورها فى إدارة الأزمات بعد أن همّشتها التحركات الأمريكية فى بداية التصعيد. ويشير محللون إلى أن الحرب الأخيرة كشفت فجوة واضحة بين الموقفين الأمريكى والأوروبى، إذ لم تُشرك واشنطن حلفاءها بشكل كافٍ فى قراراتها، ما دفع دولًا مثل فرنسا إلى البحث عن مسارات مستقلة تحمى مصالحها الاستراتيجية. وفى هذا الإطار، تبدو مبادرة ماكرون محاولة لإعادة التوازن فى العلاقات عبر الأطلسى، وإثبات قدرة أوروبا على لعب دور فاعل فى القضايا الأمنية الكبرى.
فى المقابل، يبقى نجاح هذه المبادرة مرهونًا بعدة عوامل معقدة، فى مقدمتها مدى استعداد إيران للتعاون بشكل فعلى ومستدام، وكذلك موقف الولايات المتحدة التى تميل تقليديًا إلى مقاربة أكثر صرامة. ورغم أن طهران أبدت إشارات إيجابية بشأن العمل على فتح المضيق، فإن التجارب السابقة تشير إلى أن أى تفاهمات تبقى عرضة للاهتزاز فى ظل غياب اتفاقات ملزمة وشاملة. كما أن تباين مواقف الدول المشاركة قد يشكل تحديًا إضافيًا، إذ أعلنت بعض الدول، مثل إيطاليا، أنها لن تنخرط عسكريًا إلا فى إطار مبادرة تقودها الأمم المتحدة، ما يسلط الضوء على أهمية الغطاء الدولى لضمان استدامة أى ترتيبات أمنية، ويعكس فى الوقت ذاته حساسية المشاركة فى بيئة أمنية معقدة..
تعكس بعض المؤشرات الأولية إمكانية تحقيق تقدم تدريجى، حيث تم تسجيل عبور سفن أوروبية عبر المضيق فى ظل ترتيبات أمنية خاصة، يُرجّح أنها تمت بتفاهمات مباشرة مع الجانب الإيرانى، وهو ما يشير إلى وجود أرضية مشتركة يمكن البناء عليها. غير أن هذه الخطوات تظل محدودة النطاق ولا ترقى بعد إلى مستوى إعادة فتح كامل وآمن للممر الملاحى، خاصة مع استمرار حالة الترقب فى أوساط شركات الشحن العالمية التى تربط قراراتها بتقييمات دقيقة للمخاطر، وبمدى وضوح القواعد المنظمة لمرور السفن..
كما تحمل المبادرة أبعادًا سياسية تتجاوز مسألة الملاحة البحرية، إذ يمكن أن تشكل مدخلًا لإعادة فتح قنوات الحوار بين إيران والغرب، فى وقت تشهد فيه العلاقات بين الطرفين توترًا حادًا. فنجاح التعاون فى ملف تقنى وأمنى مثل تأمين المضيق قد يخلق مناخًا أكثر إيجابية يمهد لتفاهمات أوسع، سواء فى الملف النووى أو فى قضايا الأمن الإقليمى.
وفى المقابل، فإن فشل هذه الجهود قد يعزز منطق التصعيد ويعيد طرح الخيار العسكرى كبديل، بما يحمله ذلك من مخاطر كبيرة على استقرار المنطقة.
اختبار صعب للهدنة| ضربات أمريكية - إيرانية متبادلة.. وأضرار بمطار الكويت
تصعيد بلا توقف| مايو الأكثر دموية فى غزة منذ بداية العام
ثلاثية حرب لبنان| مفاوضات.. مخطط إسرائيلى للجنوب.. وانزعاج أمريكى من تل أبيب







