محمد كمال
أسطورة “خيط القدر” أو “الخيط الأحمر” هي معتقد شعبي ضارب في القدم ولد في شرق آسيا وتحديدا في الصين واليابان، ليجسد رابطة خفية تنسجها الآلهة بين توأمي الروح، هي خيط وهمي غير مرئي تعلقه الثقافة اليابانية في خنصر اليد، بينما يراه الصينيون ملتفا حول كاحل القدم، خيط سحري لا ينقطع، يقود الأرواح إلى بعضها مهما طال الزمن أو تباعدت المسافات ليكتب لها لقاء محتومًا، وقصة حب أو صداقة لا مفر منها قد يتمدد هذا الخيط، وقد يتشابك، وربما يرهقه الانتظار لكنه لا ينقطع أبدًا، كأنما يحمل وعدا أبديًا بأن اللقاء سيحدث ولو بعد حين.
ومن هذه الأسطورة الآسيوية الشهيرة تنبثق أحداث مسلسل “اتنين غيرنا” الذي عرض على منصة “Watch It” خلال النصف الأول من شهر رمضان وجاء في خمس عشرة حلقة وشارك في بطولته آسر ياسين ودينا الشربيني وهنادي مهنا وناردين فرج وفدوى عابد ونور إيهاب وسحر رامي والمطربة شيرين النجيلي، وهو من تأليف رنا أبو الريش، وإخراج خالد الحلفاوي، ذلك الثنائي الذي سبق أن قدم ثلاثة أجزاء من مسلسل “كامل العدد”، الذي تصدرت بطولته أيضا دينا الشربيني.
تتصدر أسطورة “خيط القدر الأحمر” الحلقات الأولى من المسلسل حيث نجحت رنا أبو الريش في توظيفها ببراعة خلال التأسيس والبناء الدرامي للشخصيات، وللتمهيد للقاء المرتقب بين “نور” و”حسن”، وقد تجلى ذلك بصريًا في تقسيم الشاشة إلى نصفين الأيسر يحتضن نور، بينما الأيمن يبوح بحكاية حسن في تواز دقيق يعكس تشابه أزماتهما الانفصال والوحدة والألم النفسي، ويشتركان في الأمكنة واللحظات دون معرفة سابقة، يتقاطعان في يوم الميلاد ويجلسان على أريكة الطبيب النفسي ذاته “صدقي صخر” دون أن يدرك أحدهما وجود الآخر، وكأن الخيط الخفي ينسج لقاءهما بصمت.
حسن مهندس ومدرب فريق كرة اليد بنادي هليوبوليس، ينتمي إلى أسرة أرستقراطية، توفي والده، ويعيش في منزل واسع مع والدته وشقيقته الصغرى التي بدأت خطواتها الأولى في عالم السينما، وهو رجل مطلق له ابن يعيش مع والدته في الولايات المتحدة الأمريكية، ويعاني حسن من أرق ثقيل سببه الشوق إلى ابنه، وعجزه عن التكيف مع فكرة الانفصال التي لم تبرأ جراحها بعد، أما نور فهي ممثلة شهيرة تعيش وحيدة بعد أن أجبرها والدها على مغادرة المنزل لإصرارها على اقتحام عالم التمثيل، ورغم الأضواء التي تحيط بها فإنها تعيش حياة باهتة، خالية من دفء العائلة وصدق الأصدقاء، مثقلة بتجارب ارتباط فاشلة، ووجع صامت لا يرى.
يواصل خيط القدر تمهيد الطريق للقاء، لا وحده بل بمعونة الظروف والآخرين، فبعد وفاة والد نور تتعرض لأزمة قاسية وفضيحة إعلامية خلال جنازته تدفعها إلى حافة الانتحار، غير أن يد النجاة تأتيها من شقيقة حسن التي يوظفها السيناريو كمدخل درامي يبرر انتقال نور إلى منزل أسرة حسن، ومن هناك تبدأ ملامح قصة الحب في التشكل كأنها نقطة الانطلاق.
يبدو تأثر الكاتبة رنا أبو الريش ببعض الأفلام العالمية واضحا إذ تلجأ إلى الاقتباس المباشر الصريح لخدمة درامتها المصرية، تبدأ الإشارة الأولى أثناء مشاهدة والدة حسن وشقيقته للفيلم الشهير “Sleepless in Seattle” الذي أنتج عام 1993 وبطولة توم هانكس وميج رايان الذي يحكي عن رجل أرمل يتصل ابنه ببرنامج إذاعي ليتحدث عن وحدته وأرقه، فيفتح له باب قصة حب مع “آني ريد” التي تسافر من نيويورك إلى سياتل للقائه، وعلى نحو مواز تأتي مكالمة هاتفية خاطئة في المسلسل، بطلها مروان صديق حسن، فتستمع نور إليها مصادفة ويطلق على حسن لقب “المطلق الحزين” في محاكاة واضحة لشخصية توم هانكس في الفيلم “الأرمل الحزين”.
ويمتد توظيف الاقتباس ليشعل الشرارة الأولى للحب، هذه المرة عبر الفيلم الشهير “Notting Hill” الذي عرض عام 1999 ومن بطولة جوليا روبرتس وهيو جرانت، حيث يصطحب ويليام تاكر حبيبته نجمة هوليوود آنا سكوت إلى لقاء أصدقائه، وفي “اتنين غيرنا” يتكرر المشهد حين تذهب نور مع حسن إلى عشاء ليلة رأس السنة برفقة أصدقائه، ويشاركون طقوسهم السنوية، من تكسير “القلة” التي تسمى “قلة الأمنيات” وقراءة الأمنيات المكتوبة للعام الجديد، وهناك، تدخل نور إلى عام حسن لا كضيفة عابرة بل كاحتمال لحياة جديدة.
تمضي قصة حب نور وحسن في هدوء رقيق كنسمة خفيفة تسبق العاصفة، والعاصفة تأتي من أمريكا مع قرار طليقة حسن بالعودة، وطرحها لفكرة استئناف العلاقة من أجل الحالة النفسية لابنهما، يجد حسن نفسه محاصرا بين مشاعر الأبوة ونداء القلب، فتضعف إرادته ويخسر حبه لنور ويخسر النور الذي أعاد إليه الحياة، ويختار ابنه على حساب قصة كانت تنبض بالفرح والدفء واللحظات المبهجة.
جاء اختيار اسم “اتنين غيرنا” موفقا لثلاثة أسباب أولها على مستوى المتلقي، الذي وجد في العنوان انعكاسًا صادقًا لنهاية قصة الحب التي جاءت في الحلقة العاشرة، وثانيها دلالة العنوان على التحولات التي يمر بها الإنسان عبر مراحل حياته، وتبدل نظرته إلى ذاته بفعل المتغيرات، وهو ما عبر عنه المخرج خالد الحلفاوي باستخدام الفلاش باك، خاصة في استعادة ماضي نور وعلاقتها بأسرتها ووالدها، وكذلك علاقة حسن بزوجته السابقة نادية، أما السبب الثالث فيتجلى في تشابك العلاقات العاطفية داخل العمل إذ لا تقتصر الحكاية على نور وحسن فقط، بل تمتد إلى حافة انهيار زواج مها ومروان، ومعاناة وفاء مع زوجها المدمن، وبدايات قصة محتملة بين عاليا وإبراهيم، وحتى حكايات الحب القديمة، كذكريات “فوتة” مع زوجها الراحل، وعلاقة والدة نور بزوجها رغم قسوته على ابنته، وحدها شهيرة صديقة حسن هي الناجية من تشابك وتعقيد الحب وبدت وكأنها لا تزال تبحث عن شريك يكتمل به المعنى.
أما مشاهد النهاية فجاءت على النقيض من عمق العنوان، إذ بدت مكررة ومتشابهة مع نهايات أجزاء مسلسل “كامل العدد” حيث يجتمع الأبطال في مشهد احتفالي يغنون ويرقصون في بهجة جماعية، وفي “اتنين غيرنا” اختار المخرج أن يكون هذا الحدث هو حفل زفاف نور وحسن بحضور الجميع حتى الطبيب النفسي المشترك !! في مشهد أقرب إلى الاحتفال منه إلى الخاتمة الدرامية المتفردة.
وكان من الممكن استثمار إعادة توظيف مشهد العشاء في الحلقة الأخيرة، في ليلة رأس سنة جديدة، ليكتب ختام أكثر شاعرية، حين يعثر حسن على أمنية نور القديمة، التي كتبتها في العام الماضي وهي أن تكون معه بين أصدقائه، في العام التالي هناك فقط، كان يمكن للخيط الأحمر أن يكتمل، لا بلقاء عابر، بل بوعد تحقق.
« من تورونتو إلى تريند العالم» .. حقيقة علاقة مبابى ونورا فتحى تحت أضواء كأس العالم
النقاد : الفلكلور المصرى لن يختفى
متقال .. صوت الجنوب الذى ابهر العالم





