حين يخرج متحدثًا عن مفاوضات قائمة مع طهران، يجب أن تصدقه. وحين ينفى عباس عراقجى وجودها من الأساس، يجب أن تصدقه أيضًا. فالتناقض هنا ليس دليل ارتباك، بل انعكاس دقيق لطبيعة لعبة الأمم، حيث تتعدد الأقنعة، بينما يظل الوجه واحداً.
الولايات المتحدة ليست إدارة عابرة، ولا رئيسًا يجيء ويذهب، بل منظومة مؤسساتية راسخة، تمتد جذورها فى عمق الدولة، حيث تُصاغ الاستراتيجيات الكبرى بمعزلٍ عن ضجيج الخطاب السياسى وتقلبات اللحظة. من هنا، يصبح الحديث عن تغير جوهرى فى السياسات الأمريكية بتغير الرؤساء، أقرب إلى وهم سياسي، لا يصمد أمام صلابة البنية التى تحكم القرار.
فى المقابل، تبدو إيران، على النقيض، ككيان متعدد الوجوه فى لحظة واحدة. فواشنطن، التى خاضت مع طهران عقوداً من التوتر المحسوب، لم تستهدف يوماً إسقاط الدولة الإيرانية، بقدر ما ركزت على تفكيك بنية السلطة العقائدية التى يمثلها نظام الملالي. الفارق هنا حاسم بين دولة يُعاد ضبط إيقاعها، ونظام يُعاد تشكيله من الداخل.
الضربات النوعية التى نفذتها أمريكا وإسرائيل فى الساعات الأولى للحرب وأسقطت الصف الأول والثانى والثالث من رأس السلطة الإيرانية، لم تكن عشوائية أو ارتجالية، بل جاءت وفق نمط محسوب ومعلومات استخباراتية دقيقة وتكنولوجيا عسكرية متطورة. كانت تستهدف قلب بنية النظام، سواء فى الحرس الثورى أو فى المؤسسات الدينية النافذة. لم يكن الهدف إشعال الفوضى، بل إعادة توزيع القوة داخل النظام ذاته، تمهيداً لمرحلة جديدة تتغير فيها قواعد اللعبة.
غير أن ما هو أخطر من الضربات، هو ما جرى فى الظل. حراك استخباراتى هادئ، يعمل على فرز نخب بديلة، أكثر براجماتية، وأقل صدامية مع الرؤية الأمريكية. نخب تدرك أن الاستمرار بذات الأدوات القديمة لم يعد مُمكناً، وأن البقاء فى السلطة يمر عبر بوابة التكيف لا المواجهة.
هنا تحديداً، يمكن فهم حالة التناقض الصارخة فى الخطاب الإيراني. فالأمر لم يعد مجرد صراع بين إصلاحيين وراديكاليين، بل تحول إلى ما يشبه «تعدد السلطات داخل السلطة». أطراف تتحدث ولا تعلم ما يفعله الطرف الآخر، وقنوات تفاوض تُفتح فى الظل دون علم بقية مراكز القرار. لقد نجحت واشنطن فى إحداث فراغ مؤقت داخل بنية الحكم، لم تملأه بعد سلطة واحدة جامعة، بل ملأته جزر منعزلة من النفوذ، لكل منها خطابها وحساباتها.
وهكذا، لم تعد إيران كياناً سياسياً متماسكاً بقدر ما أصبحت لحظة مركبة، تتعايش فيها أكثر من إيران فى آنٍ واحد . إيران تفاوض، وأخرى تنفي، وثالثة تترقب، ورابعة تعيد تموضعها فى صمت. تعددية لا تعكس قوة، بقدر ما تكشف عن ارتباكٍ بنيوى عميق فى مركز القرار.
فى المحصلة، تتحرك واشنطن بعقل واحد، حتى وإن بدت بأصوات متعددة، بينما تتحرك طهران بأصوات متعددة، دون أن تملك دائماً وحدة العقل. وبين هذا وذاك، تتشكل معادلة جديدة فى الإقليم، لا تقوم على إسقاط الدول، بل على إعادة تشكيلها من الداخل.
وهنا تبرز الحقيقة الأثقل فى هذه الحرب. لسنا أمام إيران واحدة، بل أمام عدة إيرانات تتصارع تحت سقف واحد حتى تحين لحظة الحقيقة ويستيقظ الجميع على السلطة الجديدة، بينما تقف أمريكا، كما كانت دائماً بعقلها الاستراتيجى الواحد.

هل يفعلها المنتخب؟
من نجريج إلى أنفيلد.. لماذا أحب العالم محمد صلاح؟
الطلاق فى زماننا







