وصلنى هذا الكتاب «مشاهد من أدب السيرة الذاتية» لمؤلفه درويش الأسيوطى بالبريد، وكتب لى أن الدكتور نصَّار عبد الله الشاعر والمثقف الكبير الذى يعيش فى صعيد مصر أبلغه أننى سمعت عن كتابه وأتمنى قراءته. ولذلك بادر وأرسله لي، فشكرًا للدكتور نصار على هِمَّته فى التواصل بين المثقفين واختصار بُعد المسافات، وشكرًا لصاحب هذا الكتاب الذى بدأت قراءته فور وصوله إليَّ.
وهو يخصص الصفحة الأولى من الكتاب لعبارة سبق أن كتبها يوسف إدريس، عندما كتب:
- أنا لا أكتُب كل الحقيقة، ولكن كل ما أكتبه حقيقة، وهى عبارة تستحق من المؤلف أن يُصدِّر بها روايته. ويُقدِّم هذه الطبعة التى توشك أن تقع فى أربعمائة صفحة، ويكتُب روايته بسلاسة ويُسر وبصدقٍ غير عادي، لدرجة أن الفصول التى سبق نشرها فى بعض الصُحف يكتُب المكان الذى نُشرت فيه من قبل، ويُقدِّم روايته كاتبًا أن لكلٍ منا أيامًا يتفاخر بها، وأيامًا يخجل أن يذكرها، أو يتذكرها. ويعترف أنه لم يشعر بأى يومٍ من الأيام بالخجل من يومٍ مر به، فقد عاش أيامه كما هي. ولم يحاول أن يتصنَّع ثراءً ولا أخلاقًا. فثروتى الحقيقية كانت رضاى بما قسِّم الله لي، رضاى عن نفسي، وأخلاقى هى ما تربيت عليه.
ويعترف أنه لم يعش فى فراغ ولا فى معزب مُعقَّم، بل عاش مع الناس وبينهم وفيهم ولهم، حتى لو انفرد بنفسه، كانت مشكلته مع الآخرين أنهم يظنون أن آباءهم وأجدادهم من الملائكة المُقربين، مع أن هذا غير حقيقي، فكلنا لنا أخطاؤنا، لنا حسناتنا، فنحن فى النهاية والبداية بشر.
وهذا الكاتب أذكر له أنه يُقدم نفسه للناس، لم يلجأ إلى كاتب آخر ليكتُب له مقدمة، ويقول عن نفسه أن لكلٍ منا أيامًا نتفاخر بها، وتحت عنوان: حلاوة زمان وموائد الجعفرى يكتُب:
- يبيع حلاوة زمان زائر من زوَّار قريتنا فى موسم الحصاد، حين أقول الحصاد فإننا نعنى موسم جمع محصول القمح. فلكل نباتٍ نجمع محصوله اسمٌ خاصٌ لموسمه. فكما نقول حصاد القمح، أو الحصيدة، نقول توقيع القيضى الذى يعنى التعبير عن قطع أعواد الذرة الرفيعة وكسر القصب، وقطع النخل أو قطع البلح، أو قلع السمسم. إنها كلها تعبيرات تعنى موسم الحصاد.. ويحكى عن موسم الحصاد فى قريته فى ذلك الزمان البعيد ويقول لقارئه:
- لك أن تتصور فى موسم الحصاد سوقًا يجول على رءوس الحقول من البائعين. فإن انتهت أيام الحصاد نُقِلَ القمح على الأجران وتحوَّل ركب البياعين السريحة إلى الدروب والبيوت. منهم بياع حلاوة زمان، الحلاوة التى عرفناها بالعسلية، وهل عرفنا غيرها؟
ويتوقف أمام أعيادٍ شهدها فى قريته مثل 9 مارس يوم الشهيد، ويحكى ذكرياته مع هذا اليوم الذى كان يمر عليهم فى قريته، ويتذكر شهداءهم فى هذا اليوم ويستمع إلى الراديو ترانزيستور الذى أعاره له خاله. ويحكى بعده حكايات كثيرة من قريته. وكاتب هذا الكلام الذى هو أنا ابن قرية، وأعترف أن ذكرياتها تطاردنى آناء الليل وأطراف النهار، خاصة كلما تقدمت فى العمر. لذلك أنا أعذُر درويش الأسيوطى فى توقفه أمام ذكرياته التى مرت وحكاياته لها وحرصه على أن يحكيها.
الحقيقة أننى استمتعت بهذا الكتاب الجميل الذى أرسله لى صاحبه من قلب الصعيد الجواني، وأتمنى أن أجده فى مكتبات القاهرة المنتشرة فى دروبها الكثيرة.

شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»
التعامل مع البنوك بالتليفون ممنوع







