ملابس خاصة جدًّا

«ترزى الكهنوت» مهنة التفاصيل والرموز من الزهد والتجرد إلى الهيبة والنقاء

ترزى الكهنوت
ترزى الكهنوت


فى أحد الأزقة الهادئة بمركز طامية بمحافظة الفيوم، حيث تختلط رائحة القماش الجديد بصوت ماكينات التطريز الحديثة، ينسج الشاب إبرام جرجس عزمى «27 عاما» حكاية مهنة نادرة، توارثها أبا عن جد، لتظل واحدة من الحرف المرتبطة بخصوصية الطقوس الدينية داخل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، حيث لا تفصل الملابس هنا كأى زى تقليدى، بل تصنع بعناية تحمل دلالات روحية ورمزية عميقة، فمن تحت يديه تولد الهيبة.

يقول إبرام إن رحلته مع المهنة بدأت مبكرا، حين كان والده يعتمد على التطريز اليدوى، مستخدما الخيوط فى تشكيل الصلبان والرموز الدينية بدقة متناهية، قبل أن يواكب التطور ويدخل عالم ماكينات التطريز الكمبيوتر، التى أتاحت تنفيذ تصميمات أكثر تعقيدا ودقة، دون أن تفقد روح الحرفة الأصيلة.. المهنة، كما يصفها، ليست مجرد «تفصيل ملابس»، بل علم وفن قائم بذاته، فلكل قطعة زى كهنوتى اسمها ووظيفتها وطقسها. تشير المصادر الكنسية إلى أن ملابس الكهنة والشمامسة فى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تحمل رموزا لاهوتية، إذ يرمز اللون الأبيض للنقاء، بينما يعكس الأسود الزهد والتجرد، وتطرز الصلبان والرموز الدينية لتعبر عن معانى الفداء والخلاص.
ويضيف إبرام أن ملابس الكهنة اليومية تكون سوداء، تصنع من أقمشة طبيعية دون تطريز، وتتراوح تكلفتها بين 1000 و4000 جنيه حسب الخامة، بينما تختلف ملابس الصلوات التى تصنع غالبا من الحرير، سواء العادى أو «حرير الدفة»، وتطرز عليها الصلبان و«الكينار» على الصدر والظهر والأكمام، وهو شريط زخرفى قد يبدأ من عرض 8 سنتيمترات ويزداد حسب التصميم.
ولا تتوقف التفاصيل عند هذا الحد، فهناك قطع مميزة مثل «الطيلسانة» التى يرتديها الكاهن، وتبدأ من 1500 جنيه، وتتفاوت أسعارها وفق نوع القماش ودقة التطريز، بالإضافة إلى «الصدرة» و«البرنس» المستخدمين فى الأعياد والصلوات الكبرى، ويعرف هذا الزى باسم «اللبس الملكى»، حيث يطرز بالكامل ويزين أحيانا بصور للسيد المسيح ورموز دينية أخرى.
ويمتد عمل إبرام ليشمل جميع المراحل العمرية داخل الطقس الكنسى، بدءا من ملابس الأطفال فى المعمودية، مرورا بملابس الشمامسة الشباب، التى تكون بيضاء ومصنوعة من خامات مثل الإيزيس والحرير، وصولا إلى ملابس الكهنة والأساقفة. ويشير إلى أن تكلفة ملابس الشمامسة تبدأ من 850 إلى 1500 جنيه، بينما تبدأ ملابس الكهنة المطرزة من 1500 وقد تصل إلى 3800 جنيه حسب حجم ودقة الرسومات.
ويؤكد أن لكل كاهن ذوقه الخاص، إذ يختار بنفسه شكل التطريز ونوع القماش، مما يجعل كل قطعة تصنع كعمل فنى منفرد. وقد تعامل إبرام مع عدد من الآباء والكهنة، من بينهم أبونا إيثاق وباسليوس وأمونيوس وبولا وكراس، كما قام بتفصيل ملابس للأنبا إبراهم، أسقف الفيوم.
على مدار 8 سنوات، تطورت الورشة من العمل حسب الطلب إلى مشروع متكامل يخدم محافظة الفيوم وخارجها، بل وامتد إلى البيع عبر الإنترنت، مع التوسع فى إنتاج ستائر الكنائس المطرزة بمختلف أشكالها، وهو مجال مكمل يعتمد على نفس مهارات التطريز الدقيقة.
ورغم دخول التكنولوجيا، يؤكد إبرام أن سر النجاح لا يزال فى «العين والخبرة»، فالتطريز الكهنوتى ليس مجرد زخرفة، بل رسالة تحمل قدسية خاصة، تتطلب فهما للرموز والطقوس قبل تنفيذها، ليبقى هذا الفن شاهدا على تلاقى الحرفة بالإيمان، فى واحدة من أندر المهن التى لا تزال تحافظ على روحها وسط زحام العصر.