دولة الفنون والإبداع l شعراء وملحنون : خطوة واعدة لرعاية المواهب

دولة الفنون والإبداع
دولة الفنون والإبداع


في خطوة تعكس اهتمام الدولة بتعزيز القوة الناعمة ودعم المواهب، وجه السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بدراسة إطلاق برنامج جديد تحت عنوان دولة الفنون والإبداع”، على غرار برنامج “دولة التلاوة”، بهدف اكتشاف ورعاية الموهوبين في مختلف مجالات الفن والرياضة.. ومن هذا المنطلق، استطلعنا آراء عدد من الشعراء والملحنين حول أهمية هذه الخطوة، ورؤيتهم لكيفية تنفيذ البرنامج بالشكل الأمثل، وما الذي يحتاجه لتحقيق نهضة فنية حقيقية، سواء على مستوى اكتشاف المواهب أو دعمها واستمرارها في الساحة الإبداعية.

في البداية أعرب الموسيقار صلاح الشرنوبي عن سعادته الكبيرة بإطلاق برنامج “دولة الفنون والإبداع”، مؤكدًا أن هذه الخطوة تمثل خبرًا سعيدًا له ولكل المصريين، في ظل الحاجة إلى نهضة فنية حقيقية في مصر، وقال إن ما تشهده البلاد من تطور على مختلف الأصعدة يُعد أمرًا مشرفًا ويدعو للفخر، مشيرًا إلى أن مصر كانت ولا تزال رائدة الفنون في الوطن العربي، ويجب الحفاظ على هذا الدور الريادي.

وأضاف أن استكمال هذه الخطوة بشكل مدروس سيجعل من البرنامج مشروعًا عظيمًا، يمكن أن يمثل صحوة حقيقية للفن في مصر، مؤكدًا أن مصر تزخر بالمواهب، لكنها تفتقر إلى المسار الواضح الذي يقودها إلى النجاح، واستكمل أن الأمر لا يكمن في اكتشاف المواهب فقط، بل في غياب الرعاية والدعم بعد انتهاء البرامج، وهو ما أدى إلى اندثار العديد من الأصوات المميزة التي لم تجد من يتبناها.

وأشار الشرنوبي إلى أهمية الاستفادة من تجربة برنامج “ستديو الفن”، الذي قدمه الراحل سيمون أسمر، مؤكدًا أنه يُعد النموذج الأنجح في هذا المجال، حيث لم يقتصر دوره على اكتشاف المواهب فقط، بل امتد إلى رعايتها من خلال مؤسسة متكاملة، وأضاف أن البرنامج نجح في تخريج نجوم كبار مثل وائل كفوري، ونوال الزغبي، وميريام فارس، إلى جانب دعمه لمجالات فنية متعددة مثل الشعر الغنائي والتلحين والإعلام.

وأكد أن تحقيق هذا النموذج في “دولة الفنون والإبداع” يتطلب وضع استراتيجية واضحة ومتكاملة، تشمل حسن اختيار لجنة التحكيم بعناية فائقة، بحيث تضم عناصر ذات خبرة حقيقية وليست مجرد أسماء لامعة بهدف “الشو” الإعلامي، كما شدد على ضرورة وجود فريق موسيقي متخصص قادر على تقييم وفرز الأصوات بشكل احترافي، وتابع أن الأهم من ذلك هو استمرار رعاية المواهب من خلال مؤسسات تتولى تنمية قدراتهم، إلى جانب الاهتمام بالتسويق لهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرًا إلى أن النجاح في الوقت الحالي أصبح يعتمد بشكل كبير على الانتشار الرقمي، وليس فقط على جودة العمل الفني من كلمات وألحان وتوزيع.

وأوضح أن هناك قصورًا واضحًا في هذا الجانب، مستشهدًا بدار الأوبرا المصرية، التي رغم مكانتها الكبيرة وأنشطتها ومهرجاناتها المستمرة، إلا أنها لا تحظى بالحضور الكافي على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما يحرمها من الوصول إلى جمهور أوسع، مؤكدًا ضرورة تدارك هذا الأمر ضمن أي خطة لتطوير المشهد الفني.

رعاية المواهب

فيما أكد الشاعر صابر كمال أن إطلاق برنامج “دولة الفنون والإبداع” يتوقف في المقام الأول على وجود لجنة تحكيم تمتلك قدرًا كبيرًا من الخبرة، مشددًا على ضرورة أن تضم اللجنة مزيجًا متوازنًا بين الأسماء الكبيرة صاحبة التاريخ، وبين عناصر شابة لديها احتكاك حقيقي بالسوق الفني، حيث أكد أن هذا التنوع مهم للغاية، خاصة أن المواهب الجديدة قد لا تسير على نفس المعايير التقليدية التي سارت عليها الأجيال السابقة، وهو ما يتطلب وجود بصيرة فنية قادرة على التفرقة بين الاختلاف الإيجابي الذي يمثل إضافة، وبين الاختلاف الذي قد يصل إلى حد النشاز، معتبرًا أن هذه النقطة تمثل حجر الأساس في تقييم أي موهبة جديدة.

وأضاف أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في اكتشاف المواهب، بل في الإجابة عن السؤال الأهم: “ماذا بعد؟”، موضحًا أن الوصول إلى مواهب متميزة لا يعني تحقيق الهدف، بل هو مجرد بداية الطريق نحو صناعة منتج فني ناجح يحقق المرجو من البرنامج.

واستكمل أن المواهب، سواء كانت في الغناء أو الشعر أو التلحين، تحتاج بعد اكتشافها إلى إدارة احترافية تتولى تشكيل مسيرتها الفنية، مؤكدًا أن صناعة النجم لا تعتمد فقط على تقديم أغنية ناجحة، بل على بناء شخصية فنية واضحة ومتفردة، مستشهدًا بنماذج لنجوم استطاعوا تحقيق نجاح طويل الأمد بفضل امتلاكهم هوية فنية محددة، مثل عمرو دياب، ومحمد منير، وحكيم، وجورج وسوف، مؤكدًا أن مسيرتهم لم تكن عشوائية، بل جاءت ضمن إطار واضح ومحدد.

وأشار على أهمية أن يتم تقسيم الاهتمام داخل البرنامج بنسبة متساوية، بحيث يكون 50 % موجهًا لاكتشاف المواهب، و50 % لرعايتها بعد انتهاء البرنامج، مؤكدًا أن الساحة الفنية شهدت العديد من الأصوات القوية التي اختفت بعد انتهاء برامج المواهب بسبب غياب الدعم والاستمرارية.

وأكد أن العنصر الأهم في هذه المنظومة هو المنتج الفني الذي يُقدم للجمهور، موضحًا أن نجاح أي فنان يعتمد في الأساس على جودة هذا المنتج، الذي يقف خلفه الشاعر والملحن والموزع، وأشار إلى أن نفس المطرب قد يحقق نجاحًا كبيرًا في عمل، ثم يتراجع في عمل آخر، ليس بسبب تغير موهبته، بل بسبب اختلاف جودة المنتج الفني، وأوضح أن الكلمات والألحان تمثلان عاملًا قويًا، لدرجة أن فنانًا كبيرًا قد يفشل إذا قُدم له عمل ضعيف، بينما قد يحقق فنان متوسط الموهبة انتشارًا واسعًا إذا قدم أغنية قوية، وهو ما يؤكد أهمية الاستثمار في جودة المحتوى الفني.

وتابع أن اكتشاف المواهب في مجالي الشعر والتلحين يجب أن يتبعه توجيه احترافي، مقترحًا أن يتم إلحاق العناصر الجديدة بذوي الخبرة، بحيث يعمل الشاعر الشاب مع ملحن محترف، والعكس، لضمان نقل الخبرات وتطوير الأدوات بشكل صحيح، مؤكدًا أن المجال الفني يعتمد بشكل كبير على التراكم والخبرة العملية، واستشهد بنماذج ناجحة في هذا الإطار، مشيرًا إلى تجربة كلًا من محمد رحيم ومحمد رفاعي، اللذين تعلما على يد حميد الشاعري، قبل أن ينتقلا للعمل مع عمرو دياب، وهو ما ساهم في تقديم أعمال قوية، لافتًا إلى أن الراحل محمد رحيم تحدث في أكثر من مناسبة عن تأثير هذه الخبرات عليه، مؤكدًا أن الأفكار الجديدة وحدها لا تكفي دون دعم خبرات متراكمة تصقلها وتوجهها بشكل صحيح.

خطوة هامة

ومن جانبه، أشاد الموسيقار منير الوسيمي بفكرة إطلاق برنامج “دولة الفنون والإبداع”، واصفًا إياها بأنها خطوة عظيمة، لكنه شدد على أهمية تنفيذها بشكل صحيح يحقق الأهداف المرجوة منها، مؤكدًا أن هذا المشروع يمثل خطوة جريئة ومهمة، خاصة أن الفن والإبداع يعدان غذاء الروح لأي مجتمع، موضحًا أن غيابهما يخلق حالة من النقص الثقافي والوجداني، وأضاف أن مصر تمتلك ثروة كبيرة من الكوادر الفنية، من أساتذة كبار ومتخصصين في مجالات التلحين والشعر والموسيقى، وهو ما يجب الاستفادة منه بالشكل الأمثل داخل البرنامج.

وأشار الوسيمي إلى أن تشكيل لجنة التحكيم يمثل عنصرًا حاسمًا في نجاح البرنامج، موضحًا ضرورة أن تضم نخبة من كبار الملحنين والشعراء والموسيقيين المتخصصين، وليس مجرد أسماء فنية لامعة تعتمد على شهرتها فقط، مؤكدًا أن الشهرة وحدها لا تكفي لتقييم المواهب بشكل علمي ودقيق، وأضاف أن التجارب الناجحة تثبت أهمية الاعتماد على المتخصصين، مستشهدًا بتجربة برنامج دولة التلاوة، التي اعتمدت على لجان تحكيم متخصصة، وهو ما ساهم في مصداقية التقييم.

وشدد على أن الهدف من البرنامج يجب ألا يكون تحقيق المكسب المادي أو الربح، بل صناعة مشروع فني حقيقي يسهم في نهضة الإبداع، مؤكدًا ضرورة تخصيص ميزانية كبيرة لا تقتصر على إنتاج البرنامج فقط، بل تمتد إلى دعم المواهب بعد اكتشافها، موضحًا أن رعاية المواهب تمثل العنصر الأهم في هذه المنظومة، مشددًا على أن الاهتمام الحقيقي يجب أن يبدأ بعد اكتشاف الموهبة، وليس عند هذه المرحلة فقط، لأن الاستمرارية والدعم هما الضمان الحقيقي لصناعة نجوم قادرين على التأثير في الساحة الفنية.

تضامن المؤسسات

بينما أعرب الشاعر صلاح عطية عن تقديره لمبادرة إطلاق برنامج “دولة الفنون والإبداع”، مقدمًا التحية إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي على تبنيه لهذه الخطوة، وكذلك لجميع القائمين عليها، متمنيًا أن يستمر البرنامج لسنوات طويلة لما يحمله من أهمية كبيرة في دعم القوة الناعمة المصرية.

وأكد أن الفنون تمثل عنوان الشعوب وهويتها، مشيرًا إلى أن مصر عُرفت عبر تاريخها برموزها الفنية الكبرى، مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وغيرهما من رموز الإبداع، وأضاف أن نجاح البرنامج يرتبط بشكل كبير بدور المؤسسات الثقافية، وعلى رأسها قصور الثقافة، التي تزخر بعدد هائل من المواهب في مختلف المحافظات، من القرى إلى المدن الكبرى، مشددًا على ضرورة تحقيق تكامل وتعاون حقيقي بين هذه المؤسسات والجهة المنظمة للبرنامج.

وأوضح أن هذا التنسيق سيسهم في تقديم أفضل العناصر الموهوبة، خاصة أن قصور الثقافة تقوم بدور أساسي في اكتشاف وتنمية المواهب في مراحل مبكرة، وهو ما يجب استثماره بالشكل الأمثل من خلال البرنامج، لضمان الوصول إلى كوادر إبداعية متميزة في جميع المجالات.

وأشار عطية إلى أهمية وضع معايير واضحة لاختيار المشاركين، من بينها تحديد الفئة العمرية، مع التركيز بشكل خاص على البراعم الصغيرة التي تمتلك شغفًا حقيقيًا بالفن، مؤكدًا أن الاستثمار في هذه الفئات يمثل خطوة استراتيجية لصناعة جيل جديد من المبدعين.

واستكمل أن العنصر الأهم بعد اكتشاف المواهب هو رعايتها وتبنيها بشكل احترافي، من خلال منتجين يمتلكون خبرة حقيقية وفهمًا عميقًا لمتطلبات السوق الفني وتغيراته، بما يضمن تقديم محتوى قادر على المنافسة وتحقيق النجاح.

وأكد على أن نجاح البرنامج لن يتحقق فقط باكتشاف المواهب، بل بقدرة القائمين عليه على بناء منظومة متكاملة تضمن استمرارية هذه المواهب وتطورها، بما يعيد لمصر مكانتها الرائدة في مجال الفن والإبداع.

اقرأ  أيضا: رؤية الرئيس السيسي.. خبراء يطرحون روشتة نجاح «دولة الفنون والإبداع»

;