أيًا كانت الأسباب، فإن إقالة قيادة عسكرية كبيرة بحجم قائد القوات البرية الأمريكية «جنرال راندى» أثناء الحرب، لا يعنى إلا أن هناك أزمة فى قيادة هذه الحرب التى لم تكن القيادة العسكرية الأمريكية ترى ضرورة لقيامها، ولا مصلحة فى استمرارها أو التصعيد المستمر فيها.
وقد تكون الصدفة وحدها هى التى رتبت أن يعقب الإطاحة بالقيادات العسكرية الأمريكية مفاجأة إسقاط وإصابة عدد من الطائرات الأمريكية فى سماء إيران والسباق بين أمريكا وإيران للبحث عن طيار أمريكى مفقود فى أحداث متلاحقة تطرح من جديد السؤال عن مدى السيطرة الأمريكية على أجواء إيران، وعن عودة نشاط الدفاع الجوى الإيرانى، وما إذا كان قد حصل على أسلحة أكثر تطورًا فى مرحلة حاسمة من تطور الحرب.
الأوضاع تزداد تعقيدًا مع اقتراب نهاية مهلة العشرة أيام وتهديد الرئيس الأمريكى بتصعيد غير مسبوق يعيد إيران إلى «العصر الحجرى»! إذا لم يتم التوصل لاتفاق قبل المهلة المحددة. وبينما كان الرئيس الأمريكى قد أشار إلى أن إيران قد وافقت - فى الاتصالات مع واشنطن- على معظم النقاط الخمس عشرة التى كانت أمريكا قد وضعتها كشروط لإنهاء الحرب، تنفى إيران ذلك تمامًا، وتتمسك بشروطها، وتطالب بضمانات دولية بعدم تعرضها لحروب جديدة من جانب أمريكا وإسرائيل، كما تطالب بتعويضات عن أضرار الحرب وبرفع العقوبات المفروضة عليها- وبين الموقفين المتشددين تستمر محاولات الوساطة والتهدئة.. ويستمر أيضًا التصعيد العسكرى بصورة خطيرة، ويبدو أن البعض يرى تدمير الجسور واستهداف المستشفيات، والجامعات والمصانع جزءًا من التفاوض الذى لا بديل عنه.
ومع ذلك، فإن محاولات التهدئة وإيقاف التصعيد لا تتوقف حتى داخل أمريكا وإيران. وفى هذا الإطار يعود وزير خارجية إيران السابق «محمد جواد ظريف» وهو أحد مهندسى الاتفاق السابق حول البرنامج النووى الإيرانى عام 2015 «الذى ألغاه ترامب فى ولايته الأولى».. يعود ليطرح رؤية إيرانية متميزة فى هذا التوقيت الصعب. وفى مقال رأى نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية الشهيرة طرح ظريف رؤية تقول إن على إيران إبرام اتفاق مع أمريكا لإنهاء الحرب من خلال عرض تقييد برنامجها النووى وإعادة فتح مضيق هرمز مقابل تخفيف العقوبات على طهران. وأكد ظريف على ضرورة استعداد إيران لقبول اتفاق عدم اعتداء متبادل مع أمريكا وإقامة علاقات اقتصادية معها.
قد لا يكون ما يطرحه «ظريف» جديدًا، فهو جرهر التحركات الحقيقية التى يبذلها الوسطاء، وهو ينطلق من النقاط التى كان قد وصل إليها التفاوض مع أمريكا قبل الحرب وهو التفاوض الذى قاده «على لاريجاني»، وكان جوهره تحويل الصراع إلى «مصالح مشتركة».. لكن الحديث عن إحياء هذا المسار من شخصية بحجم «جواد ظريف»، وفى ظل مناخ التصعيد الحالى يشير إلى أن طريق الخروج من الأزمة واضح، ولا يحتاج للمزيد من الدمار، ولا ينتمى إلى «العصر الحجرى»، فقط أن يدرك الجميع أن القوة لها حدود، وأن الحل السياسى «عبر التفاوض» لا مهرب منه.

محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»







