«فايننشال تايمز»: الخليج يعيد رسم خريطة تصدير النفط بعيدًا عن مضيق هرمز

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


في تطور يعكس عمق التحولات الجيوسياسية في منطقة الخليج، كشفت صحيفة «فايننشال تايمز» التهديد المتزايد بسيطرة إيران على مضيق هرمز، دفع دول الخليج إلى إعادة النظر في استراتيجيات تصدير النفط والغاز، وعلى رأسها خطط إنشاء شبكات من خطوط الأنابيب لتجاوز هذا الممر الحيوي.

ووفقًا لما أوردته «فايننشال تايمز»، فإن المخاوف من تعطل الملاحة في المضيق، الذي يُعد شريانًا رئيسيًا للطاقة العالمية، لم تعد مجرد سيناريو افتراضي، بل تحولت إلى واقع يفرض نفسه على صناع القرار في دول الخليج، خاصة في ظل التصعيد العسكري الأخير في المنطقة.

اقرأ أيضًا| بين التصعيد والانسحاب.. كيف يفكر ترامب في إنهاء حرب إيران؟

وتنقل الصحيفة عن مسؤولين تنفيذيين في قطاع الطاقة، أن مشاريع خطوط الأنابيب، رغم تكلفتها المرتفعة وتعقيداتها السياسية، قد تصبح الخيار الوحيد لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. وتشير «فايننشال تايمز» إلى أن هذه المشاريع تتطلب سنوات من التخطيط والتنفيذ، لكنها باتت ضرورية في ظل المخاطر الراهنة.

في هذا السياق، سلطت الصحيفة الضوء على الأهمية الاستراتيجية المتجددة لخط الأنابيب السعودي الممتد من الشرق إلى الغرب، بطول 1200 كيلومتر، والذي تم إنشاؤه في ثمانينيات القرن الماضي خلال الحرب العراقية الإيرانية، لتأمين صادرات النفط بعيدًا عن المضيق. وذكرت «فايننشال تايمز» أن هذا الخط، الذي ينقل نحو 7 ملايين برميل يوميًا إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، أصبح اليوم أحد أهم أدوات السعودية لتأمين صادراتها النفطية.

ونقلت الصحيفة عن أحد كبار المسؤولين التنفيذيين في قطاع الطاقة الخليجي، قوله إن هذا المشروع يبدو اليوم وكأنه “ضربة عبقرية”، في إشارة إلى الرؤية الاستباقية التي دفعت إلى إنشائه. كما أشارت إلى تصريحات أمين الناصر، الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو، الذي أكد أن خط الأنابيب يمثل “الطريق الرئيسي” الذي تعتمد عليه المملكة حاليًا في ظل التوترات الإقليمية.

وتوضح «فايننشال تايمز» أن السعودية تدرس حاليًا زيادة الاعتماد على خطوط الأنابيب لنقل إنتاجها اليومي البالغ 10.2 مليون برميل، بدلًا من تصديره عبر المياه التي قد تخضع للسيطرة الإيرانية. وتشمل هذه الخطط إمكانية توسيع قدرة خط الشرق–الغرب أو إنشاء خطوط جديدة، في إطار استراتيجية أوسع لتنويع مسارات التصدير.

ورغم أن مشاريع خطوط الأنابيب ليست جديدة في المنطقة، فإن الصحيفة تشير إلى أن العديد من هذه الخطط تعثر في السابق بسبب ارتفاع التكاليف والتعقيدات السياسية، خاصة في ما يتعلق بمرور الخطوط عبر أراضي دول متعددة. إلا أن التطورات الأخيرة، بحسب «فايننشال تايمز»، قد تدفع دول الخليج إلى تجاوز هذه العقبات والانتقال من مرحلة الدراسة إلى التنفيذ.

وفي هذا الإطار، نقلت الصحيفة عن ميسون كفافي، كبيرة مستشاري برامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي، قولها إن المنطقة تشهد تحولًا واضحًا “من الافتراضات إلى الواقع العملي”، حيث باتت جميع الأطراف تنظر إلى نفس الخريطة وتتوصل إلى الاستنتاج ذاته، وهو ضرورة إيجاد بدائل حقيقية لمضيق هرمز.

وأضافت كفافي، وفق ما نقلته «فايننشال تايمز»، أن الخيار الأكثر مرونة لا يتمثل في إنشاء خط أنابيب واحد بديل، بل في بناء شبكة متكاملة من الممرات، رغم أن هذا الخيار يُعد الأكثر تعقيدًا من حيث التنفيذ. وتشير الصحيفة إلى أن مثل هذه الشبكات قد تتحول مستقبلًا إلى ممرات تجارية متعددة الاستخدامات، لا تقتصر على نقل النفط والغاز، بل تشمل أيضًا سلعًا أخرى.

وفي سياق متصل، لفتت «فايننشال تايمز» إلى أن بعض المسؤولين الخليجيين يدرسون إحياء مشروع الممر الاقتصادي الذي تقوده الولايات المتحدة، والمعروف باسم IMEC، والذي يربط الهند بأوروبا عبر الخليج. ويُعد هذا المشروع، بحسب الصحيفة، أحد الخيارات المطروحة لتعزيز البنية التحتية الإقليمية، رغم ما يحيط به من تعقيدات سياسية، خاصة ما يتعلق بمساراته المقترحة.

كما نقلت الصحيفة عن يوسي أبو، الرئيس التنفيذي لشركة “نيو ميد إنرجي” الإسرائيلية، تأكيده على إمكانية مد خطوط أنابيب تصل إلى البحر المتوسط، سواء عبر موانئ إسرائيلية أو مصرية، مشددًا على أهمية إنشاء شبكة إقليمية متكاملة للنقل البري والبحري، بما يحد من تأثير أي طرف يسعى لعرقلة هذه المشاريع.

من ناحية أخرى، تشير «فايننشال تايمز» إلى أن الاهتمام بمشاريع خطوط الأنابيب لم يبدأ مع اندلاع الحرب الأخيرة، بل كان قائمًا بالفعل قبل ذلك، حيث نقلت عن كريستوفر بوش، الرئيس التنفيذي لشركة “كات غروب” اللبنانية، أن شركته تلقت استفسارات متعددة بشأن مشاريع جديدة، وكانت قد أعدت عروضًا تقديمية لعدد من هذه الخطط.

لكن بوش، بحسب الصحيفة، حذر من أن التحديات لا تزال كبيرة، مشيرًا إلى أن تكلفة إنشاء خط أنابيب مماثل لخط الشرق–الغرب قد تصل إلى 5 مليارات دولار على الأقل، في حين قد تتراوح تكلفة المشاريع الأكثر تعقيدًا، التي تمر عبر عدة دول مثل العراق والأردن أو سوريا وتركيا، بين 15 و20 مليار دولار.

وتضيف «فايننشال تايمز» أن هذه المشاريع لا تواجه فقط تحديات مالية، بل أيضًا مخاطر أمنية كبيرة، خاصة في مناطق مثل العراق، حيث لا تزال هناك كميات من الذخائر غير المنفجرة، إلى جانب وجود جماعات مسلحة مثل تنظيم داعش. كما أن المسارات التي تمر عبر سلطنة عُمان تواجه تحديات جغرافية صعبة، تشمل الصحارى والجبال الوعرة.

ولم تستبعد الصحيفة تعرض موانئ عُمان نفسها لتهديدات، مشيرة إلى أن هجمات بطائرات مسيّرة أجبرت ميناء صلالة مؤخرًا على الإغلاق المؤقت، ما يعكس هشاشة البدائل المحتملة.

كما تبرز تحديات سياسية تتعلق بتحديد الجهة التي ستتولى تشغيل خطوط الأنابيب وإدارة تدفق الموارد، وهو ما يتطلب، بحسب بوش، مستوى غير مسبوق من التعاون بين دول الخليج، التي اعتادت العمل بشكل منفرد في هذا المجال.

وفي ضوء هذه التعقيدات، ترى «فايننشال تايمز» أن الحلول قصيرة المدى قد تتركز على توسيع البنية التحتية القائمة، مثل زيادة سعة خط الغاز بين الشرق والغرب، أو تعزيز خط الأنابيب الممتد من أبوظبي إلى الفجيرة، بما يسمح بزيادة القدرة التصديرية دون الحاجة إلى مشاريع عابرة للحدود في الوقت الراهن.

كما تشير الصحيفة إلى أن السعودية قد تتجه إلى تطوير موانئ إضافية على ساحل البحر الأحمر، بما في ذلك الميناء المرتبط بمشروع نيوم، في إطار استراتيجية تهدف إلى تقليل الاعتماد على مضيق هرمز.

وفي سياق متصل، نقلت «فايننشال تايمز» عن مسؤول تنفيذي في قطاع الطاقة، أن أبوظبي كانت تدرس بالفعل إنشاء خط أنابيب ثانٍ إلى الفجيرة، لكنها لم تتخذ قرارًا نهائيًا بعد، انتظارًا لما ستسفر عنه التطورات في المضيق.

وفيما تواصل بريطانيا جهودها لتشكيل تحالف دولي يضم 35 دولة لإعادة فتح مضيق هرمز، ترى كفافي، بحسب الصحيفة، أن دول الخليج بحاجة إلى وقت لتقييم الوضع، لكنها باتت تدرك أن الأزمة الحالية تمثل نقطة تحول، تتطلب تبني نهج جديد في إدارة أمن الطاقة.

وتختتم «فايننشال تايمز» بالإشارة إلى أن النقاشات الجارية لم تعد تقتصر على مسألة تأمين الإمدادات، بل امتدت إلى إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية، مؤكدة أن الوضع في الخليج “لن يعود إلى ما كان عليه قبل النزاع”، في إشارة إلى التحولات العميقة التي يشهدها سوق الطاقة العالمي.

اقرأ أيضًا| سفينة حاويات لمجموعة شحن فرنسية تعبر مضيق هرمز