تعلمت منها كيف يكون الإنسان مفكرًا دون ادعاء، وقريبًا دون تكلف، وكبيرًا دون أن يشعر أنه كبير
اليوم ونحن نودع المفكرة الكبيرة والإنسانة العظيمة الدكتورة هالة مصطفى، أجد أن أصعب المهام هى الكتابة عن هذه الشخصية الاستثنائية، ربما لم أكن من المحظوظين الذين أُتيحت لهم فرصة العمل المباشر تحت رئاستها خلال فترة قيادتها لمجلة الديمقراطية أو وجودها فى مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، لكنى كنت أكثر حظًا من كثيرين؛ لأننى عرفت هالة مصطفى عن قرب إنسانى نادر. عرفت تلك البساطة التى لا تشبه إلا أصحاب القامات الكبيرة، وتلك القدرة المدهشة على الإصغاء وكأنك الوحيد فى العالم، وذلك الدفء الذى يجعل الحوار معها تجربة حياة لا مجرد نقاش فكرى. ربما لم أتتلمذ على يديها فى مؤسسة، لكنى تعلمت منها فى المساحة الأعمق: كيف يكون الإنسان مفكرًا دون ادعاء، وقريبًا دون تكلف، وكبيرًا دون أن يشعر أنه كبير.
أتذكر -مما أتذكره- حرصها الدائم بحكم تجربتها الثرية الكبيرة على منحى من الكلمات ما يشبه البوصلة، فمع كلماتها التحفيزية ونبوءتها بأن شغفك سوف يقودك للنجاح فى عالم السياسة والفكر، كانت دائمًا ما تحرص على ضبط البوصلة بعبارة: «الأهم هو الابتعاد عن الغرور، لأن القوة الحقيقية فى حفاظك على إنسانيتك، وأن تكون بوصلتك دائمًا إنسانية، أخلاقية، مهنية»، والأجمل أنها لم تكن تكتفى بالنصح، بل كانت ترى فى كل خطوة صغيرة أحققها سببًا للاحتفال؛ كنت أرى فى عينيها فرحًا صادقًا، وكأنها تؤكد لى أن الطريق لا يُقاس فقط بما نصل إليه، بل بقدرتنا على أن نظل أوفياء لأنفسنا ونحن نسير فيه.
لعلى أزعم أننى قادر على تخيل مشهد ورد فعل الدكتورة هالة مصطفى وهى ترى سيل رسائل المحبة والرثاء التى قيلت فى حقها لو أنها معنا الآن، وهى الرسائل التى كانت سترد عليها بكل تعفف، ليس لأنها لا تدرك قيمة نفسها، بل لأن سمتها التواضع، وصفوها بأنها الشجاعة وكانت ستقول إن «الطبيعى أن يطرح الإنسان أفكاره ولا يخاف من ذلك، وأن يتحمل نتائجه»، ووصفوها بأنها الجميلة المحبة للحياة، وهى صاحبة العبارة «الحياة تستحق أن تُحب حتى وهى صعبة»، وصفوها بأنها التى لم تسع إلى منصب وهى التى كانت تقول: «الأهم من موقعك هو أن يكون عقلك حاضرًا دائمًا، وأن تحافظ على إنسانيتك».
كانت هالة مصطفى كالفراشة التى تمر بخفة، لكن أثرها لا يزول أبدًا؛ لا تُحدث ضجيجًا، ولا تفرض حضورها، ومع ذلك تترك فى المكان معنى لا يغادره، لم تكن تتحدث عن نفسها يومًا، وكأنها تعمّدت أن تترك الآخرين يروون حكايتها بدلاً منها، فصارت حاضرة فى كلمات الجميع أكثر مما كانت حاضرة فى كلماتها. وفى ذروة لمعانها، حين تعرضت لموجات من الإساءة والمكائد، لم تنحدر إلى مستواها، ولم تُبدل جلدها، بل واجهت كل ذلك بما يشبهها: مزيدًا من الإنسانية، ومزيدًا من الرقى والشجاعة، وكأنها كانت تؤمن بأن الرد الحقيقى ليس فى الضجيج، بل فى أن تظل كما أنت… نقيًا صادقًا متسقًا مع ذاتك وما تقتنع به.
رغم أن هالة مصطفى آثرت فى الجزء الأخير من عمرها الحياة الهادئة الصامتة، فإن رحيلها لم يكن كذلك على الإطلاق، رحلت فامتلأت المسافات بصوتها، أو ربما بأصواتنا نحن، ونحن نحاول أن نقول لها ما لم نقله وهى هنا.
باحث وكاتب

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







