كنوز| الخروج من النفق القديم

إبراهيم عبد المجيد
إبراهيم عبد المجيد


«كيف حقاً خلت هذه المدينة من النساء ؟ هذه مدينة عجيبة يا سيدى، طلبت كل امرأة من زوجها أن يرسم على جدار البيت طائراً تحبه، رسم الرجال الطيور وناموا سعداء، حملت الطيور النساء وغادرت البلاد !»، لا أعرف كيف ومتى تخيلت ذلك يوماً، لكنه أعاد إليَّ التاريخ المنسى عن المرأة، فى بداية التاريخ لم تسجل النساء شيئاً عن حياتها، قام بذلك الرجال، صارت النساء فى كثير من الأساطير مصدراً للشرور، ونسى الناس الأساطير الأخرى التى جعلت منها مصدراً للأمل. 

اقرأ أيضًا| كنوز| «الحكيم» يفتش عن «الكعك» فى الأرياف

عشنا نقرأ أنه وراء كل رجل عظيم امرأة، لكن السائد هو التقليل من قيمة المرأة، التى يطول الحديث عن الجرائم التى ارتُكبت بحقها، نسينا بطلة أسطورية مثل إيزيس التى انتقمت لأوزوريس من ست إله الشر، بأن جمعت أشلاء أوزوريس التى بعثرها ست فى البلاد، وأنجبت حورس لينتقم لأبيه من ست.

عرفنا فى الواقع كثيرات من البطلات فى الحروب فى أوروبا، وفى عالمنا العربى مثل جميلة بوحريد فى النضال ضد الاحتلال الفرنسى فى الجزائر وغيرها كثيرات جداً، عرفنا قصصاً للحب فاقت أى قصص أخرى، كتب عن بعضها «دينى دى روجمون» فى كتابه «الحب فى الغرب»، وعرفنا أيضاً فى الشرق قصصاً عابرة للتاريخ مثل: قيس وليلى، فى مصر بعد ثورة 1919 قامت النساء بدور عظيم فى النهضة الثقافية، من العائلة المالكة مثل: الملكة نازلى أو فاطمة بنت الخديوى الأسبق إسماعيل، التى تبرعت بالأرض والمال من أجل إقامة الجامعة المصرية فى عهد الملك فؤاد، أو من النساء خارج العائلة المالكة مثل: درية شفيق ومى زيادة وفاطمة اليوسف وقوت القلوب الدمرداشية، ويحدث هذا الآن فى دول الخليج من أميرات فى دعم الثقافة، فى بلاد مثل: قطر أو الشارقة أو الإمارات فى مشاريع يطول الحديث عنها.

اقرأ أيضًا| كنوز| سخرية بيرم من «كعك» الفهلوية !

أمتعتنا أصوات نسائية مثل: أم كلثوم وأسمهان ومن جئن بعدهما وعشرات الأسماء فى السينما، فمن أين جاء هذا التقليل من شأن المرأة؟ 

جاء من بعض الأساطير القديمة التى ألفها الرجال، ومن تفسيرات للأديان جعلت المرأة أقل عقلاً وديناً. النهضة فى العصر الحديث كانت كلها ضد ذلك، لكن شهدت السنوات منذ السبعينيات عودة لهذا الفكر القديم، ورغم أن بلاداً كانت مصدراً وقتها لهذه التى أسموها بالصحوة، تخلصت من هذه الصحوة التى كانت ردة وليست صحوة، لكن لا يزال صداها فى بلاد كثيرة، ووصل فى تجلياته الأخيرة إلى أبشع الصور، حين قامت داعش ببيع النساء فى الأسواق فى العراق أو سوريا، والغريب أن دولاً قطعت شوطاً كبيراً فى الديمقراطية والمساواة، لا تزال ترى هذه الصورة للمرأة، فى أمريكا حوادث كثيرة ومنها ما حدث أخيراً، من القبض على روبيرت موريس الذى يعتبرونه الأب الروحى لترامب، بتهمة التحرش بطفلة عمرها اثنتا عشرة سنة، وأتذكر ذلك كله مندهشاً وأنا كقارئ أتابع إصدارات الكتّاب فى العالم العربى، فأجد كثيراً من الكاتبات حققن فى الإبداع والفكر والفن التشكيلى ما حققه الرجال وأكثر، وكثيرات من المبدعات فى العالم العربى من الجنوب إلى الشمال ومن الشرق إلى الغرب، حتى إننى اقترحت يوماً على دور النشر، أن تقوم إحداها بعمل معجم يضم أسماء النساء المُبدعات، ومن تساهمن فى الفكر بكل ميادينه، النساء فقط وما زلت عند اقتراحى ربما يسمع أحد / لأن النجاة الحقيقية من التاريخ القديم، الذى ألفه الرجال عن المرأة، هى خروجنا جميعاً منه، حتى لا يأتى يوم يتحقق فيه خيالى الذى كتبته فى أول المقال.

نقلاً عن جريدة «الشرق»