محمد عبد النبى
فى السادس عشر من هذا الشَهر وهذا العام (مارس، 2026)، تحل الذكرى المئوية لميلاد الأستاذ إدوار الخرَّاط، الذى تركَ منجزًا وأثرًا هائلين فى مضمار الفن والثقافة والأدب العربى والمصري؛ ما يوجبُ له ببساطة احتفالًا ثقافيًا هائلًا بمئويته، يُذكِّر بإرثه ويجدد التعريف به للأجيال الجديدة من منتجى الفنون والثقافة ومتذوقيها، ويضيف الجديد من المقاربات النقدية والقراءات لأعماله.
لكننا نعيش أزمنة شحيحة بخيلة، ربما لذلك يبدو فيها إرث الخرَّاط السخى المتدفق غريبًا ومُنكرًا. فى أجواء أدبية تطغى فيها التنافسية والتزاحم على الجوائز والرحلات والمِنح من الأشقاء وغير الأشقاء، وتهيمن فيها الحكاية الشائقة (بصورتها البدائية الفجَّة تقريبًا) على المعمار والأسلوب واللغة، وتزيح فيها معايير السوق والمكسب والخسارة كل طموح جمالى سامق جانبًا.
لذلك كله فما أحوجنا الآن إلى استعادة إرثه مرَّة بعد مرَّة لعلَّنا نذكر أنفسنا – قبل أى آخَر – بأنَّ ثمة مَن مروا بنا فى هذا البلد، وكانت لديهم رؤية مختلفة عن السائد فى السوق، وساروا وحيدين فى طريق موحش لأنهم آمنوا بأنَّ الفن ليس مجرد تسلية أو توعية، وبأنه سؤال يمضى كتفًا بكتف مع أسئلة الدين والفلسفة، بل ويتجاوزهما فى أحيان كثيرة، مشفقًا من اليقين الأعمى وتبعاته على الفرد والإنسانية، بحسب مقولة المتصوف النهاوندى البغدادى أبى القاسم الجنيد، والتى صدَّر بها إدوار الخرَّاط روايته يقين العطش: «قد مشى رجالٌ باليقين على الماء. أمَّا مَن مات على العطش، فهو أفضل منهم يقينًا».
وعندما أتمَّ الخرَّاط رحلته بيننا فى الأوَّل من ديسمبر 2015، قلتُ إنَّ الموت، بجلالة قدره، لم ينتزع إلا القشرة الخارجية الهشة لكل فنان وكاتب عظيم مثله، بينما يُفلت من بين براثنه جوهر الفنان وعصارة روحه، فكأنه هو مَن غلبَ الموت، وطعنَ الفناء فى مقتل، بكل ما كتبه وقدمه للفن والثقافة وتركه من خلفه.
وقلت إن الخراط قلعة، ذات ألف باب وباب، يمكن دخولها عبر أبوابها جميعًا، لكننا مع كل باب نختاره قد نخسر متعة النظر والاكتشاف والدهشة التى فقدناها مع الأبواب الأخرى. وقلت إنه ظل يشيد القلاع طول عمره، كانت قلاعه ملونة بألوان شفيفة مثل بعض سحابات صديقه الفنان التشكيلى عدلى رزق الله، وكانت قلاعه أيضًا راسخة الأساس فى طبقات تاريخ هذا البلد، بقدر ما تضرب جذورها فى مادة الوجود الإنسانى من أوله إلى آخره. وقلت إن قلاعه مع هذا تطير خفافًا كأنها ذوات أجنحة، معلقة بين ملكوت السماء ولحم الأرض، لا تغمض أجفانها طرفة عين عن التجربة البشرية فى مجدها وابتذالها وهشاشتها، ولا تخفت أشواقها لحظة إلى الأفراح العلوية المنشودة أبدًا.
يمكننا دخول قلاع الخراط أولًا من باب العين، الحاسة البصرية الصاحية المشحوذة، التى تجعل منه فى كتبه السردية وصَّافًا لا يستعصى عليه مشهد، أو حركة للموج، أو خطوط على حجر، أو طائر خرافى اخترعه وألبسه مفرداته فجعله مرئيًّا وحاضرًا أكثر من آلاف طيور هذا العالم.
باب العين لا يتوقف لديه عند الكتابة السردية، وفيها ما فيها، بل تجاوزها إلى حدائق الفن التشكيلي، متناولًا فى بعض كتاباته تجارب كثيرين من مبدعيه، سواء من أصدقائه وأبناء جيله أو سواهم، ثم مبدعًا تشكيليًّا - هو نفسه - راح يرسم ويؤلف ويلعب بفن الكولاج، يقص ويلصق صورًا شخصية له إلى جانب عناصر أخرى متنوعة، من الفن الفرعونى أو تماثيل يونانية ورومانية، يلعب بطلاقة طفل لم تذبل روحه قَطُّ، مؤكدًا فى كل قطعة على هذا البعد الكونى الفسيح فى رؤيته للوجود، على الرغم من مصريته الشديدة.
ثم هناك باب الأذن، إذ يحضر الصوت بطبقاته ونغماته مجلجلًا أجراسه فى كل سطر كتبه الخراط، ولو كان فى مقال نقدى صغير أو ردًّا على سؤال فى حوار، ويحضر أيضًا الصمت، وغير المنطوق والسرى والكامن.
أبى أن يرى فى اللغة مجرد وسيط شفاف، موصل جيد لحرارة الأفكار والمعانى والصور، بل عاملها بقداسة العابد العاشق، ولكنه «عِشق الخونة» حسب تعبيره، فلم يستسلم أمام سلطانها، أو يدعها تستخدمه على حساب وعيه ورؤيته وطموحه الجمالي. فى كل جملة لدى الخراط فكرة أو صورة أو معنى، لكنه مع ذلك يبنى جملته وكأنها جملة موسيقية فى لحنه المطول والمعقد، والممتد عبر كل كتبه. وكثيرًا ما أسره الصوت فذهب مع غوايته إلى أبعد مدى ممكن، حين راح يكتب فقرات كاملة ضاربًا فيها على وتر صوت محدد، السين مثلًا أو الضاد، فيقترب، بتعبيره أيضًا، من نطاق «الرقى والتعاويذ»، حيث تصير اللغة أداة سحرية فى مواجهة الواقع وإعادة خلقه. وقد أحب تلك الألعاب الصوتية، فاقتطعها منفردة لتكون قصائد وأيقونات صوتية فى بعض كتبه الشعرية.
ثم هناك باب اللعب والتجريب، وهو أحب أبوابه إلى قلوب كثيرين من مرتادى قلاعه، وخصوصًا الأصغر سنًّا، إذ يكتشفون أنه قد قرر، فى وقت مبكر للغاية، ألا يسلم قياده للتقاليد والأعراف والمواضعات، بل أن يغترب عن التيار العام والمتفق عليه، مهما كان مهيمنًا اجتماعيًّا وسائدًا ثقافيًّا. رأى قبل أجيال تالية عديدة قيمةَ الإنسان الفرد فى عزلته ووحشته واغترابه، وعوَّل على أن يصنع ألعابه الخاصة منفردًا، مخلصًا لهذا النداء المنعزل والأعزل، من دون أن يتدروش أو ينغلق أو يحتقر الآخرين. لكنه استعلى على الحكاية والحبكة والقص التقليدى الآمن، إذ رأى فيها وسائل وحيلًا عتيقة فات أوانها وبهتت، واقتربت من أنواع درامية أكثر هشاشة وميلًا للتسلية، وابتنى قلاعه من مواد أخرى، كانت أقرب، من حيث الصوت، إلى الموسيقى، ومن حيث الصورة، إلى زخارف الفن المصرى القديم والعمارة العربية، تلك الوحدات الهندسية المتكررة والمتواشجة، فى طموحها إلى اللانهائي، منفتحة على حرية القراءة والتأويل واللعب.
ثم هناك بالطبع باب العشق، ولولاه لما اهتز وتر ولا ارتجف قلم، ولما عرفنا رامة، المرأة الأسطورية الدنيوية، التى اكتنزت فى داخلها كل امرأة وبقيت مع هذا متفردة بملامحها وتفاصيلها وشغفها بالعطاء والمحبة والحياة، رامة التى طاولت فى قلاع الخراط الربات القديمات، تَجسدن فيها وبزغت هى من وراء أنصابهن وصورهن، لتبقى حية حاضرة، بل أكثر حياة وحضورًا من ميخائيل، عابدها المتبتل وربما صانعها من مادة الروح ودم القلب.
كأن رامة، بقدر ما تجسد نفسها فى حياة ميخائيل، هى أيضًا جانبه الأنثوى الأرضى البكر والخصب والولود، شوقه إليها شوق كل شاعر عقله بين السحاب وقدماه تدبان على بدن الأرض، يشعر بنبض دمها فى عروقه، ولا يغفل أيضًا عن جانبها الوحشى المباغت غير مأمون العواقب، فيبقى السعى للاندماج بها قرينًا ملازمًا لكبرياء الوحدة المريرة، وحدة العابد والشاعر التى لا بديل عنها ليصنع جمالًا يليق بمعبودته التى يهجرها حينًا على كره منه.
وإذا ظن بعضنا أن الخراط متصوف درويش فى دنيا العشق الحسى والإلهى أيضًا، فلا بأس، لكنه سيكون بحاجة لأن يجرب دخول قلاعه من باب العقل. وسوف يدهشه أن يجد هذا الاتزان العقلى المخيف فى رؤية العالم، النظرة الصاحية التى تدين الجرائم والاستبداد وتدعو للانعتاق والغضب، وتنفر من العنف مهما كان أداة ضرورية ولا مفر منها لأى تغيير ممكن.
سيدهشه أن الخراط لم يشيد قلاعه بفائض العاطفة أو لغو البلاغة، بل بصدق المنطق وصرامته فى الأساس. كل افتراض سيتبعه على الفور نقيضه الذى ينفى أو يتشكك أو يتساءل، حتى يبدو كأن السؤال هو الأصل فى ضفائر جدلية مُحكمة، لا ينقض غزلها إلا ذلك الشوق العلوى لصهر المتناقضات فى بوتقة واحدة: الإنسانى والإلهي، النسبى والمطلق، العابر والمقيم، اللغز وكشف الحجاب.
الباب الأوسع، الذى لا يغلق أبدًا فى وجه أبناء الدنيا، هو باب الحياة، منبت كل فن ومنبعه ومصبه، سواء كان هذا الفن من خلق الطبيعة الحرة المتوحشة الحنون، أم من إبداع الإنسان بيديه ووعيه وشطحات روحه. الحياة التى انطلق منها الخراط لم تمجد إلا ذاتها، كأنها هى أيضًا السلطانة الكبرى، رامة الأصلية والحقيقية والدائمة أبدًا. فعاش حياته حافلةً، سواء فى التجربة المباشرة الحميمة، أو فى استعادتها وإعادة خلقها فى معبد الكتابة والفن، سواء فى شظفها وضيقها شابًّا مكافحًا ومعتقلًا وناقمًا، أو فى نعومتها ونعيمها عاشقًا وزوجًا وأبًا، وأيقونة ثقافية ملء السمع والبصر لسنوات طويلة.
تلك بضعة أبواب من بين عشرات غيرها، حفنة من بحر، ويمكن لمن يرغب أن يستكشف قلاع الخراط من باب الإسكندرية، أو النضال السياسي، أو الأنثى، أو الصعيد، أو الثقافة المصرية القديمة، أو اختراق حدود الأنواع الأدبية وتكسُّرها على أسنَّة رماحه، أو حرصه على تقديم مئات الأصوات الأدبية وتبنيها من دون انحياز لطريقته الخاصة فى الكتابة، أو ترجماته المجيدة التى تتحلى بلغة عربية سليمة وعذبة صار افتقادنا إلى مثلها يشتد يومًا بعد آخر، أو ريادته الثقافية ومبادراته فى جماعات وإصدارات فنية مختلفة، وعلى ما يبدو ليس لأبواب قلاع الخراط نهاية.
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







