استمرارية الهوية المصرية في العادات.. «حكايات من كِيمِت» يكشف الأسرار

الموروثات الحية
الموروثات الحية


في قلب الزمن، حيث لا تزال همسات الماضي تتردد في تفاصيل حياتنا اليومية، يطل برنامج «حكايات من كِيمِت» ليكشف عن خيوط خفية تربط المصري المعاصر بجذوره الضاربة في أعماق التاريخ، ليس مجرد استعراض لحضارة قديمة، بل رحلة إنسانية حيّة تعيد اكتشاف الذات المصرية من خلال العادات والكلمات التي ما زالت تنبض بالحياة حتى اليوم.

يقدم برنامج «حكايات من كِيمِت» عبر منصات "بوابة أخبار اليوم" تجربة مختلفة في تناول الحضارة المصرية القديمة، حيث يبتعد عن السرد التقليدي الذي يركز على المعابد والتماثيل، ليغوص في عمق الإنسان المصري القديم؛ ذلك الإنسان الذي لم تندثر ملامحه، بل لا تزال حاضرة في تفاصيل حياتنا اليومية دون أن نشعر.

 

◄ الموروثات الحية

 

البرنامج من فكرة وإعداد الكاتبة الصحفية شيرين الكردي، ويقدمه عالم المصريات الدكتور مصطفى وزيري، في قالب بودكاست توثيقي يمزج بين البساطة والدقة العلمية، ليجعل التاريخ قريبًا من الجميع، ويكشف كيف عاش المصري القديم تفاصيل حياته بكل ما فيها من حب واحتفال وإيمان بالجمال.

واحدة من أبرز زوايا البرنامج هي تسليطه الضوء على "الموروثات الحية"؛ تلك العادات التي ورثناها عبر آلاف السنين وما زلنا نمارسها حتى الآن، دون أن ندرك جذورها العميقة. فعلى سبيل المثال، احتفالية "سبوع المولود" ليست عادة حديثة، بل تمتد جذورها إلى عصور المصريين القدماء، حيث كانت تُقام طقوس خاصة للاحتفال بالطفل الجديد، مصحوبة بالموسيقى والاحتفالات.

كذلك، عادة الأربعين للمتوفى ليست وليدة العصر الحديث، بل تعود إلى طقوس التحنيط، التي كانت تستغرق نحو 40 يومًا، وهو ما انعكس لاحقًا في الوعي الجمعي للمصريين كفترة زمنية ذات دلالة خاصة.

 

◄ عادات اجتماعية حاضرة

 

ولا يتوقف الأمر عند العادات فقط، بل يمتد إلى الإيماءات والسلوكيات اليومية؛ فالحركات التي نراها اليوم لدى بعض المقرئين أو المطربين، مثل وضع اليد خلف الأذن أثناء الغناء، تعود جذورها إلى مشاهد مصورة داخل مقابر أثرية، خاصة في مناطق مثل سقارة، حيث صُوّر المغنون بنفس الوضعية منذ أكثر من 4000 عام.

كما يسلط البرنامج الضوء على عادات اجتماعية ما زالت حاضرة، مثل الخروج إلى الحدائق والمتنزهات في المناسبات، وهي تقاليد عرفها المصري القديم وارتبطت بالاحتفال بالحياة والطبيعة، وهو ما نراه اليوم في أعياد مثل شم النسيم.

 

اقرأ ايضا| «حكايات من كِمِت»| موائد الخلود تحكي أسرار الحياة والموت عند المصري القديم

 

ومن أكثر الجوانب إثارة، كشف البرنامج عن أصول العديد من الكلمات المتداولة في اللهجة المصرية العامية، والتي تعود في جذورها إلى اللغة المصرية القديمة، كلمات مثل "وحوي يا وحوي"، و"سبوع"، و"مرتِي"، وغيرها، تحمل في طياتها تاريخًا طويلًا من الاستخدام والتطور، لتؤكد أن اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل وعاء حضاري حي.

 

◄ استمرارية الهوية المصرية

 

حتى التعبيرات اليومية البسيطة، مثل الضحك بصوت مرتفع أو وصف شخص بأنه "مكحكح"، تحمل امتدادًا لغويًا وثقافيًا يعود إلى آلاف السنين، ما يعكس مدى استمرارية الهوية المصرية رغم تغير العصور.

في النهاية، ينجح «حكايات من كِيمِت» في إعادة تعريف علاقتنا بالماضي، ليس كذكرى بعيدة، بل كجزء حي من حاضرنا، فالمصريون، دون أن يشعروا، لا يزالون يعيشون تفاصيل حضارة عمرها آلاف السنين، في كلماتهم، وعاداتهم، وحتى في أبسط لحظات يومهم.