قضية ورأى

حين يرتكب الروبوت جريمة.. من يقف خلف القضبان ؟

د. آيات الحداد
د. آيات الحداد


منذ أزمنة بعيدة اعتدنا مشاهدة أفلام الخيال العلمى التى نسجها خيال المؤلفين وكنا نتعامل معها باعتبارها مجرد تصورات بعيدة عن الواقع غير أن ما كان يومًا حبيس الخيال أصبح اليوم حقيقة ماثلة أمامنا وواقعًا متجسدًا لا يمكن لأحد إنكاره أو التغاضى عنه، بل أصبح واقعًا يقتحم تفاصيل حياتنا اليومية.

بداية من المصانع الذكية إلى الجراحات الدقيقة ومن السيارات ذاتية القيادة إلى أنظمة الأمن والمراقبة، يتقدم عالم مجهول بسرعة مذهلة حاملا معه أسئلة قانونية غير مسبوقة، ويعد أخطر هذه الأسئلة «ماذا يحدث إذا ارتكب الروبوت جريمة؟»

فالقانون الجنائى فى جوهره صمم ليحاكم الإنسان والجريمة فى المفهوم التقليدى تقوم على فعل مادى وإرادة بشرية واعية، لكن مع ظهور الروبوتات القادرة على اتخاذ قرارات شبه مستقلة فحينها بدأت هذه القاعدة القانونية تهتز، فمثلا لو تسبب روبوت فى حادث أدى إلى وفاة إنسان أو ألحق ضررا بممتلكات الغير أو اخترق نظامًا معلوماتيًا نتيجة خوارزمية معينة … فالسؤال هنا من المسؤول؟

هل نحاسب المبرمج الذى كتب الكود؟ أم الشركة التى صممت الروبوت؟ أم المستخدم الذى فعل النظام؟، أم أن المسؤولية تتفرق بين أطراف متعددة لا يمكن فصل أدوارها بسهولة؟

الواقع ومن وجهة نظرى أن القانون الحالى يقف مرتبكا أمام هذه المعضلة، فالمبرمج قد يدافع بأنه صمم النظام وفق أفضل المعايير، والشركة المصنعة قد تلقى باللوم على طريقة الاستخدام، بينما يؤكد المستخدم أنه وثق فى نظام قيل له إنه يعمل بشكل احترافى مستقل وذكي.

وهنا تظهر فجوة تشريعية حقيقية، فالآلة لا تمتلك ضميرا ولا نية إجرامية لكنها فى الوقت ذاته قد تكون قادرة على اتخاذ قرار يؤدى إلى كارثة حقيقية، ومع التوسع فى الاعتماد على الأنظمة الذكية قد لا يكون هذا السيناريو بعيدا كما يتصور البعض.

بعض الفقهاء القانونيين فى العالم بدأوا يطرحون فكرة بمنح الروبوتات «شخصية قانونية إلكترونية» شبيهة بالشخصية الاعتبارية للشركات، لكن هذا الطرح يفتح أبوابا أكثر تعقيدا فكيف يمكن معاقبة آلة؟ وهل يمكن سجن روبوت؟ ومن سيدفع التعويض للضحايا؟، الحقيقة أن القضية لا تتعلق بالروبوت وحده ولكن بمنظومة كاملة من التكنولوجيا والاقتصاد والقانون معا، ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس مجرد تعديل قانونى بسيط بل رؤية تشريعية متكاملة وجديدة تنظم العلاقة بين الإنسان والآلة الذكية.

الحقيقة أن العالم يتجه الآن بسرعة نحو عصر تصبح فيه القرارات التكنولوجية جزءا من منظومة المسؤولية القانونية وإذا لم تواكب التشريعات هذا التحول فقد نجد أنفسنا أمام جرائم بلا جناة وضحايا بلا عدالة.

السؤال الذى يجب أن نطرحه اليوم وليس غدا «هل يمكن أن يرتكب الروبوت جريمة؟»

وهل قوانيننا مستعدة لليوم الذى يحدث فيه ذلك بالفعل؟

 نائبة برلمانية