فى عمق صعيد مصر، وبالتحديد فى مركز ملوى التابع لمحافظة المنيا، تقع قرية البرشا التى تحولت فى السنوات الأخيرة إلى ورشة عمل كبرى لصناعة الجبن البلدي. ما يميز هذه القرية ليس فقط جودة منتجها، بل قدرتها على اقتحام أسواق عالمية عريقة فى صناعة الجبن، لتحول اللبن إلى «دهب أبيض» يُدر دخلاً بالدولار على سكانها.
حققت قرية البرشا قصة نجاح غير مسبوقة لمنتج ريفى مصرى أصيل، هو «جبن القرية» الذى بدأ كمشروع عائلى صغير يعتمد على تربية الجاموس وإنتاج الجبن الطرى «الجبنة البيضاء» فى أوانٍ فخارية تقليدية، ثم تحول إلى علامة تجارية واعدة تخطت حدود الصعيد المصرى لتجد طريقها إلى أسواق أوروبية وعلى رأسها ألمانيا وفرنسا وإيطاليا. يقول كرولس سمير (40 عاما أحد السكان) إن قرية البرشا تقع على الضفة الشرقية للنيل، ومعروفة بثروتها الحيوانية وخصوبة أراضيها إذ تنتج برسيمًا عالى الجودة وهو الغذاء الأساسى للجاموس البلدى ويتميز حليب جاموس البرشا بارتفاع نسبة الدسم «تصل إلى 7-8%»، مما يعطى الجبن كثافة ونكهة أغنى من تلك المصنوعة من حليب الأبقار، واشتهرت القرية منذ القدم بصناعة الجبنة البيضاء التقليدية، لكن خلال العقد الأخير، تطورت هذه الصناعة من مجرد حرفة منزلية بسيطة إلى صناعة شبه متكاملة تعتمد على معامل متخصصة إلى جانب الإنتاج المنزلى .
ويقول أيمن محروس (48 عاما - لديه معمل لتصنيع الجبنة بالقرية) رغم هذا النجاح اللافت، إلا أن التجربة تفتقر إلى التوثيق الرسمى من قبل الجهات الحكومية أو هيئات الرقابة على الصادرات، والتحدى الأكبر الذى يواجه أهالى البرشا هو كيفية استمرارهم فى تلبية المواصفات الأوروبية الصارمة «مثل معايير السلامة الغذائية» مع الحفاظ على طابعهم التقليدي، بالإضافة إلى حاجة القرية لدعم لوجستى لتوسيع نطاق التصدير حتى يشمل أسواقاً أوروبية أكثر. وأكدت هايدى عياد (38 عاما ،ربة منزل) أن السر وراء الطلب المتزايد على جبن البرشا، خاصة من الخارج، هو اعتمادهم الكامل على اللبن الطبيعى دون أى إضافات أو مكسبات طعم أو لون أو مواد حافظة، وأكد مينا مراد (42 عاما) أن المفارقة اللافتة تتمثل بأن قارة أوروبا تشتهر بأنها موطن أصناف من الجبن لا حصر لها مثل «الشيدر» و»الغودا» و»الموزاريلا»، أصبحت مستورداً لجبن البرشا المصري، والطلب الأوروبى يركز على جودة المنتج الذى يخلو من المواد الكيميائية، وهى ميزة تنافسية قوية فى أسواق تبحث عن المنتج العضوى والطبيعي، وقالت جاكلين جرجس مقيمة بالقرية إن هذه الصناعة حولت قرية البرشا إلى نموذج للتنمية الذاتية، فمعظم أهالى القرية يعملون فى هذه الصناعة بشكل مباشر أو غير مباشر، وأصبحت مصدر الدخل الرئيسى للعائلات بعائد المادى مجزٍ لدرجة أن الجبن هناك يباع ويُتاجَر به بالدولار، مما وفر لأبناء القرية استقراراً اقتصادياً وحماية من التقلبات الاقتصادية المحلية.
وأكد الحاج محمد فرغلى ،أحد مؤسسى جمعية منتجى البرشا بالمنيا «نحن لا نصنع جبناً فقط، نحن نحافظ على طعم زمان، عندما وصلت أول شحنة إلى ألمانيا، شعرنا أن اسم قرية صغيرة مثل البرشا أصبح معروفاً فى بلاد بعيدة ،هذا شرف كبير، نساء القرية اشتهرن بصناعة الجبن كجزء من التراث المنزلى اليومي، حيث تتم تصفية اللبن الرائب فى «الحُصُر» طباق من سعف النخيل» أو القلل الفخارية المحلية، وهذه الطريقة تعطى الجبنة ملوحة معتدلة ورطوبة عالية، وهى السمات المميزة لـ «الجبنة البيضاء المصرية الطرية».
جوهرة الدولة المملوكية| «المؤيد شيخ» حكاية سلطان «نذر» بناء مسجده فوق سجنه
تدريب طلاب المستقبل| انطلاق منتدى التعليم التقنى والمهنى لدول المتوسط
خبز الأجداد يعـــود| «الساور دو» من الفراعنة إلى «الترند»







