فورين بوليسى: المسيّرات الرخيصة تقلب موازين الحروب

انفجارات فى بيروت
انفجارات فى بيروت


فى عصر الحروب الذكية، لم تعد القوة تقاس بعدد الدبابات أو الطائرات المقاتلة، بل بقدرة الدولة على تحويل التكنولوجيا الرخيصة إلى أدوات حرب فعالة فقد أثبتت إيران اليوم أن الطائرات المسيرة منخفضة التكلفة قادرة على قلب موازين الاقتصاد العسكرى، وإجبار أقوى الجيوش على إعادة التفكير فى استراتيجياتها. 

وفقا لـ «فورين بوليسى»، فإن الحرب فى الشرق الأوسط تتعرض لتحول جذرى بعيدًا عن العناوين اليومية للضربات المضادة. ففى الأسبوع الأول من حملة طهران الانتقامية، شكلت المسيرات نحو 71% من الضربات المسجلة على دول الخليج، حيث واجهت الإمارات وحدها أكثر من 1٫400 طائرة مسيرة و246 صاروخًا خلال ثمانية أيام فقط. وقد ظهرت لمحات من هذا التحول بالفعل فى أوكرانيا، لكن إيران أظهرت بوضوح ملامح مستقبل الحرب.

اقرأ أيضًا| «ترامب»: الاقتصاد سينتعش فور انتهاء الحرب مع إيران

يقول مايكل هوروفيتز من مجلس العلاقات الخارجية: «لقد دخلنا الآن عصر الكثافة الدقيقة فى الحروب».

وهذا هو التعبير الأنسب. فعلى مدى عقود، كان مفهوم الحرب الدقيقة يعنى عددًا محدودًا من صواريخ توماهوك أو القاذفات الشبحية أو الطائرات المقاتلة.

أما اليوم، فقد يعنى طائرة مسيّرة انتحارية تُصنع من مكونات تجارية وتُطلق فى أسراب. وما كان يتطلب سابقًا قدرات دولة صناعية كبرى، يمكن الآن تجميعه وتعديله وتوسيعه من قبل دول أصغر بكثير.

إن اقتصاديات الحرب تنقلب رأسًا على عقب. فطائرة مسيّرة من طراز «شاهد» قد تكلف نحو 35 ألف دولار، فى حين تبلغ تكلفة صاروخ اعتراضى من نظام «باتريوت» حوالى 4 ملايين دولار، وهو مبلغ يكفى لشراء أكثر من 100 طائرة مسيّرة.

هذه هى المعادلة الجديدة للصراع: المهاجم ينفق آلافًا، والمدافع ينفق ملايين، وحتى الدفاع الناجح قد يتحول إلى شكل من أشكال الاستنزاف.

لكن الثورة أكبر من مجرد الطائرات المسيّرة فهى فى حقيقتها تتعلق ببنية عسكرية جديدة: أنظمة ذاتية رخيصة، استهداف مدعوم بالذكاء الاصطناعى، صور أقمار صناعية تجارية، اتصالات مرنة، مستشعرات متكاملة، وأدوات سيبرانية تعمل جميعها معًا. الهدف لم يعد مجرد الضرب، بل ضغط الزمن أى العثور على الهدف واتخاذ القرار وتنفيذ الضربة بسرعة تفوق قدرة العدو على التحرك أو الاختباء أو التعافى.

النموذج التقليدى للتفوق العسكرى، القائم على أنظمة باهظة ومحدودة الإنتاج، لم يعد كافيًا فقد أكدت نائبة وزير الدفاع الأمريكية كاثلين هيكس، أن المستقبل العسكرى يعتمد على أنظمة «صغيرة، ذكية، رخيصة وكثيرة».

فالطرف الذى سينتصر فى حروب المستقبل لن يكون بالضرورة من يمتلك أفضل منصة واحدة، بل من يستطيع نشر عدد كبير من المنصات الجيدة وربطها بذكاء. 

الولايات المتحدة بدأت بالفعل باستخدام طائرة الهجوم منخفضة التكلفة «لوكاس» المستوحاة من الطائرة الإيرانية «شاهد-136»، ما يظهر أن حتى الجيوش المتقدمة تتعلم من أنظمة الدول الخاضعة للعقوبات.

وتمثل أوكرانيا مختبراً حقيقياً لهذه الثورة، فقد طورت طائرة اعتراضية منخفضة التكلفة «ستينج» بسرعة إنتاج عالية وأسعار منخفضة، وأسقطت آلاف الطائرات الإيرانية منذ 2025، مع سهولة تدريب الطيارين على استخدامها فى أيام معدودة. 

التحدى لم يعد تكنولوجيًا فقط، بل أصبح يعتمد على القدرة الصناعية، تكامل البرمجيات، وسرعة تحويل الدروس الميدانية إلى إنتاج جماعي. فموسكو، على سبيل المثال، تنتج الآن أكثر من 400 طائرة مسيّرة يوميًا، مقارنةً بإنتاج صواريخ باتريوت الأمريكية المحدود، مما يوضح أهمية الحجم والسرعة على حساب التفوق الفردى.

كما أن الطائرات المسيّرة تجعل ساحة المعركة فى كل مكان، وتسهّل تخطيط الحروب ولكن قد تؤدى أيضًا إلى جمودها، مع إمكانية وصول هذه الأسلحة إلى مجموعات إرهابية وعصابات، ما يوسع نطاق التهديدات.

فى عام 1991، علّمت حرب الخليج العالم أن التكنولوجيا المتقدمة يمكن أن تجعل الحرب دقيقة.

أما فى عام 2026، فتعلم إيران العالم درسًا أكثر أهمية: الدقة ستُنتج الآن على نطاق واسع. فالدول التى ستنتصر لن تكون فقط تلك التى تمتلك أفضل المنصات العسكرية، بل تلك القادرة على الجمع بين أعداد قليلة من الأسلحة المتطورة باهظة الثمن، وأعداد هائلة من الطائرات المسيّرة الرخيصة.

ومع مرور الوقت، سيتراجع دور الحكم البشرى لصالح خوارزميات الحاسوب.