محمد إسماعيل
شهدت الدراما المصرية خلال السنوات الأخيرة تحولات لافتة في طريقة تقديم الشخصيات النسائية، حيث لم تعد البطلة مجرد عنصر مكمل للأحداث أو ضحية لظروفها، بل أصبحت محورا أساسيا تدور حوله الحبكة الدرامية بما تحمله من أبعاد نفسية واجتماعية معقدة، وفي هذا السياق يبرز مسلسل “حكاية نرجس” للفنانة ريهام عبد الغفور كأحد الأعمال التي أثارت جدلا واسعا منذ عرضه، إذ انقسمت الآراء حول طبيعته وهل يمثل عودة حقيقية للدراما النفسية العميقة التي تعتمد على تحليل الشخصية ودوافعها، أم أنه مجرد توظيف جديد لفكرة البطولة النسائية في إطار تشويقي يعتمد على الغموض والإثارة لجذب الجمهور.
ويأتي هذا الجدل في وقت يشهد فيه المشهد الدرامي اهتماما متزايدا بالشخصيات المركبة خاصة في الأعمال التي تتناول قضايا المرأة، حيث لم تعد الحكايات تكتفي بسرد الأحداث فقط، بل أصبحت تسعى إلى الغوص في أعماق الشخصيات وتحليل سلوكها في ضوء عوامل نفسية واجتماعية متشابكة، وهو ما دفع “أخبار النجوم” لطرح هذا التساؤل على عدد من المتخصصين في علم النفس والاجتماع والنقد الفني لتحليل هذه التجربة الدرامية وتقييم موقعها ضمن تطور الدراما المصرية.
في البداية يقول الدكتور وليد هندي استشاري الصحة النفسية أن مسلسل “حكاية نرجس” يقترب بشكل واضح من الدراما النفسية لكنه لا يقدمها بالشكل التقليدي المباشر، فالعمل يعتمد على بناء شخصية رئيسية تعيش صراعات داخلية متعددة تظهر من خلال سلوكها وتفاعلها مع الأحداث أكثر من اعتمادها على الشرح المباشر لهذه الصراعات، وهذا الأسلوب يمنح المشاهد مساحة أكبر للمشاركة في تحليل الشخصية وفهم دوافعها، وهو ما يمثل أحد أهم عناصر قوة الدراما النفسية الحديثة التي لا تقدم الإجابات بشكل جاهز.
ويضيف هندي أن شخصية نرجس تعكس نموذجا إنسانيا معقدا يحمل تناقضات حقيقية بين الرغبات والقيود، وهو ما يجعلها أقرب إلى الواقع النفسي للإنسان، مشيرا إلى أن هذا النوع من الشخصيات كان حاضرا في بعض الأعمال القديمة، لكنه لم يكن سائدا في السنوات الأخيرة التي شهدت سيطرة الإيقاع السريع على حساب العمق، فالمسلسل نجح في إعادة طرح فكرة تحليل الشخصية بشكل غير تقليدي، حيث يتم الكشف عن الأبعاد النفسية تدريجيا من خلال المواقف، وهو ما يخلق حالة من التفاعل الذهني لدى المشاهد.
ويشير هندي أن هذا الطرح يعكس تطورا في وعي صناع الدراما بأهمية تقديم شخصيات مركبة تعكس تعقيدات النفس البشرية، فالجمهور أصبح أكثر استعدادا لتقبل هذا النوع من الأعمال التي تحترم قدرته على الفهم والتحليل، وهو ما قد يفتح الباب أمام مزيد من الأعمال التي تعتمد على العمق النفسي في المستقبل.
ويؤكد هندي أن أهمية هذا النوع من الأعمال لا تتوقف عند حدود المتعة الدرامية فقط، بل تمتد إلى كونه مرآة تعكس التحولات النفسية التي يعيشها الإنسان المعاصر في ظل الضغوط الاجتماعية المتزايدة، فالشخصيات المركبة تتيح للمشاهد فرصة لإعادة التفكير في مفاهيم مثل الصواب والخطأ والحكم على الآخرين ومتابعة هذا النوع من الدراما قد تساهم في رفع الوعي النفسي لدى الجمهور لأنها تقدم نماذج إنسانية قريبة من الواقع وتكشف عن دوافع السلوك بشكل غير مباشر، وهو ما يجعلها أكثر تأثيرا واستمرارا في ذهن المشاهد.
بناء الشخصية من الداخل
ايضا تقول د.سامية خضر، أستاذ علم الاجتماع أن مسلسل “حكاية نرجس” يمثل نموذجا لافتا في تطور الدراما التي تهتم ببناء الشخصية من الداخل، حيث ينجح العمل في تقديم حالة إنسانية تتسم بالثراء النفسي دون أن يفقد ارتباطه بالإطار الدرامي الجاذب للجمهور، وأن ما يميز هذا النوع من الأعمال هو قدرته على خلق حالة من التوازن بين التحليل النفسي والسرد الدرامي بحيث يشعر المشاهد بأنه يتابع قصة مشوقة وفي الوقت نفسه يقترب من فهم أعمق لطبيعة الشخصية.
وتضيف د.سامية أن شخصية نرجس تعكس قدرا من الوعي الذاتي الذي يظهر تدريجيا مع تطور الأحداث، وهو ما يجعلها شخصية قابلة للفهم من زوايا متعددة، وهذا التدرج في الكشف عن ملامح الشخصية يعد من أهم عناصر نجاح العمل لأنه يمنح المشاهد فرصة للتفاعل معها بشكل إنساني بعيدا عن الأحكام المسبقة، وهذا الأسلوب يعكس نضجا في الكتابة الدرامية، حيث لم يعد الهدف تقديم شخصية مكتملة من البداية، بل بناءها خطوة بخطوة أمام الجمهور.
وتشير د.سامية إلى أن هذا النوع من الدراما يساهم في تعزيز ثقافة التقبل لدى المشاهد لأنه يطرح نماذج إنسانية تحمل جوانب مختلفة ومتداخلة، وهو ما يدفع الجمهور إلى النظر للشخصيات باعتبارها كيانات معقدة وليست مجرد أنماط ثابتة، كما أن التركيز على التفاصيل الصغيرة في سلوك الشخصية يمنح العمل مصداقية أكبر لأن هذه التفاصيل تعكس طبيعة الحياة اليومية التي يعيشها الإنسان، مؤكدة أن الأعمال التي تعتمد على هذا المستوى من التحليل النفسي تفتح المجال أمام الجمهور لاكتشاف ذاته من خلال متابعة الشخصيات، حيث يجد المشاهد في بعض المواقف انعكاسا لتجارب أو مشاعر مر بها، وهو ما يعزز من الارتباط العاطفي مع العمل، وهذا التفاعل لا يتحقق إلا عندما تكون الشخصية مكتوبة بعناية وتقدم بشكل متوازن يجمع بين القوة والضعف.
وتستطرد د.سامية حديثها أن المسلسل ينجح أيضا في تقديم نموذج مختلف للبطولة النسائية، حيث لا يعتمد على القوالب التقليدية، بل يقدم شخصية تتحرك بحرية داخل الأحداث وتؤثر في مسارها بشكل واضح، وهو ما يعكس تطورا في طريقة تقديم المرأة داخل الدراما، وهذا التطور لا يقتصر على الشكل فقط، بل يمتد إلى المضمون، حيث أصبحت الشخصية النسائية تحمل أبعادا نفسية واجتماعية تجعلها أكثر قربا من الواقع.
رفع مستوى التذوق
وتؤكد د.سامية أن مثل هذه الأعمال تساهم في رفع مستوى التذوق الفني لدى الجمهور، لأنها تقدم محتوى يعتمد على التفكير والتأمل، وليس فقط المتابعة السريعة للأحداث، وهو ما يعزز من قيمة الدراما كوسيلة للتعبير الإنساني، وهذا الاتجاه قد يشجع صناع الدراما على تقديم مزيد من الأعمال التي تعتمد على التحليل النفسي خاصة مع تزايد اهتمام الجمهور بهذا النوع من المسلسلات.. و”حكاية نرجس” يمثل تجربة مهمة في سياق تطور الدراما المصرية لأنه يجمع بين العمق النفسي والجاذبية الدرامية، ويقدم نموذجا لشخصية يمكن قراءتها من أكثر من زاوية، وهو ما يمنح العمل استمرارية في التأثير حتى بعد انتهاء عرضه، ويجعله واحدا من الأعمال التي تسهم في تشكيل وعي جديد لدى الجمهور بطبيعة الإنسان وتعقيداته.
صورة المرأة
ومن جانبها تؤكد الدكتورة سامية عثمان، أستاذ علم الاجتماع، أن “حكاية نرجس” يعكس تحولا واضحا في صورة المرأة داخل الدراما المصرية، حيث لم تعد المرأة تقدم في إطار نمطي ثابت، بل أصبحت شخصية فاعلة ومؤثرة في مجرى الأحداث، تحمل أبعادا اجتماعية تعكس الواقع بشكل أكبر، فالمسلسل يقدم نموذجا لامرأة تتحرك داخل شبكة معقدة من العلاقات الاجتماعية وتتخذ قرارات تؤثر على محيطها، وهو ما يعكس تحولات حقيقية في مكانة المرأة داخل المجتمع.
وتضيف د.سامية أن الدراما المصرية شهدت خلال السنوات الماضية تطورا في تناول قضايا المرأة، حيث لم يعد التركيز فقط على معاناتها بل على اختياراتها ونتائج هذه الاختيارات وهو ما يمنح الشخصية عمقا إنسانيا واجتماعيا، مشيرة إلى أن شخصية نرجس تمثل هذا الاتجاه من خلال كونها شخصية غير مثالية تحمل نقاط قوة وضعف في الوقت نفسه وهذا الطرح يساهم في تغيير الصورة النمطية للمرأة ويقدمها بشكل أكثر واقعية وقربا من الجمهور.
وتؤكد د. سامية أن الجمهور أصبح أكثر تقبلا للشخصيات المركبة التي لا يمكن تصنيفها بسهولة، وهو ما يفسر حالة الجدل حول الشخصية بين التعاطف والاختلاف معتبرة أن هذا الجدل في حد ذاته يعكس نجاح العمل في طرح قضية إنسانية قابلة للنقاش وليس مجرد تقديم حكاية تقليدية.
وتشير د.سامية أن مثل هذه الأعمال تعكس أيضا تغيرا في البنية الاجتماعية نفسها حيث لم تعد العلاقات الإنسانية تقدم بصورة بسيطة أو مباشرة، بل أصبحت أكثر تعقيدا وتشابكا وهو ما يظهر في طريقة بناء الشخصيات النسائية تحديدا، وهذا التحول يمنح الدراما قدرة أكبر على التعبير عن الواقع الاجتماعي، كما يفتح المجال أمام طرح قضايا جديدة مرتبطة بالاستقلالية واتخاذ القرار وتحمل نتائجه، وهو ما يعكس وعيا متزايدا لدى صناع الدراما بأهمية تقديم محتوى يعبر عن التحولات الحقيقية داخل المجتمع.
جذب الجمهور
في حين يقول الناقد محمود قاسم أن هذا الاتجاه نحو تقديم شخصيات نسائية مركبة يفرض على العمل الدرامي تحديات فنية أكبر سواء على مستوى الكتابة أو الأداء التمثيلي، حيث يتطلب بناء الشخصية قدرا من الدقة في التفاصيل حتى تبدو مقنعة وغير مصطنعة، ونجاح هذه النوعية من الأعمال يعتمد على التوازن بين العمق والبساطة، بحيث يتمكن العمل من الوصول إلى الجمهور دون أن يفقد قيمته الفنية، وهو ما يجعل تجربة “حكاية نرجس” واحدة من النماذج التي تفتح الباب أمام تطوير شكل الدراما النسائية في السنوات المقبلة.
ويضيف قاسم أن مسلسل “حكاية نرجس” يقف في منطقة وسط بين الدراما النفسية والتشويق، حيث يعتمد على بناء شخصية رئيسية تحمل أبعادا نفسية واضحة، لكنه في الوقت نفسه يوظف هذه الأبعاد داخل إطار درامي يعتمد على الإيقاع السريع وتتابع الأحداث، وهو ما يجعله قادرا على جذب شريحة واسعة من الجمهور، وهذا المزج بين العمق والتشويق أصبح سمة من سمات الدراما الحديثة التي تسعى لتحقيق التوازن بين القيمة الفنية والجاذبية الجماهيرية.
ويشير قاسم أن تحليل الشخصية الدرامية في السنوات الأخيرة شهد تطورا كبيرا خاصة في الأعمال التي تتناول قضايا المرأة، حيث لم تعد الشخصيات أحادية البعد بل أصبحت أكثر تعقيدا، وهو ما يظهر بوضوح في شخصية نرجس التي لا يمكن الحكم عليها بشكل مطلق، بل تظل مفتوحة للتأويل، وهذا النوع من الشخصيات يمنح العمل عمقا إضافيا لأنه يخلق مساحة للتفكير والنقاش بين الجمهور.
ويؤكد قاسم أن رهان ريهام عبد الغفور على الأدوار المركبة يمثل خطوة مهمة في مسيرتها الفنية، حيث يضعها في منطقة مختلفة تعتمد على الأداء الداخلي للشخصية وليس فقط على الحضور الخارجي، وهذا الاختيار يعكس نضجا فنيا ورغبة في تقديم أعمال تحمل قيمة فنية إلى جانب النجاح الجماهيري ونجاحها في هذا الدور يعزز من مكانتها كواحدة من الممثلات القادرات على تقديم شخصيات معقدة تتطلب أدوات تمثيلية خاصة.. كما أن حالة الجدل التي صاحبت العمل بين التعاطف مع الشخصية والاختلاف حول تصرفاتها تعد مؤشرا على نجاحه لأن الشخصية التي تثير هذا القدر من النقاش تكون عادة شخصية حية وقابلة للتأويل وهو ما يعكس قوة البناء الدرامي.
اقرأ أيضا: بعد تألقها في«حكاية نرجس»..حمزة العيلي يشيد بأداء ريهام عبد الغفور
حمزة علاء الدين .. صاحب العود الذى حمل ذاكرة النوبة إلى الغرب
دياب ورمضان .. جدل وكوميكس
الذكاء الاصطناعى يدخل «مرحلة التطبيع»







