محبة كوكب الشرق مطبوعة فى وجدان كل مصرى وعربى.. والفرحة بعودة الروح لقصر ثقافتها مؤخرًا بالمنصورة ستكتمل بإنشاء متحفها المأمول بمسقط رأسها طماى الزهايرة .
خلال جلستنا الأسبوعية مع «الأستاذ» والذى لم يضن علينا بها يومًا.. أقصد عالم مصر الكبير الدكتور محمد غنيم رائد زراعة الكلى بالشرق الأوسط عقب صلاة الجمعة بمركزه العالمى للكلى والمسالك البولية سألنى عن حال قصر ثقافة المنصورة.. لم أستغرب السؤال.. فالأستاذ ليس كما يظنه الكثيرون بأنه الطبيب العالمى وحسب.. لكن من يعرفه يدرك جيدًا أنه مثقف موسوعى.. لم يتوقف يومًا عن الاطلاع الواسع فى شتى مناحى المعرفة فلم يسجن نفسه فى تخصصه الأكاديمى الذى بلغ فيه الذروة عالميًا.. يدهشك حين يتحدث فى الاقتصاد أو الأدب أو الفن أو التاريخ أو حتى الرياضة.. فثقافة الأستاذ لم تكن مجرد نزهة فكرية لكنها قائمة على التكوين العلمى والاطلاع الواسع والحرص على المثاقفة والحوار فأصبح موسوعة تمشى على قدمين.
أدركت مغزى السؤال.. فعلى مدى قرابة 40 عامًا هى عمر علاقتى بالرجل، كثيرًا ما لقيته يتنقل بين أرفف الكتب فى المعارض التى كانت تقام بشكل دورى منتظم داخل القصر.. يدقق جيدًا ليختار الكتب التى سيقتنيها.. بجانب حرصه على حضور أنشطة فنية وأدبية، خاصة الأمسيات الشعرية ومعارض الفنون التشكيلية.. كان كبار الشعراء والمفكرين ضيوف القصر القادمين من قاهرة المعز يعتبرون حضور «د.غنيم» لفعاليتهم تكريمًا لهم.
الأستاذ أصابته ـ كما كل دقهلاوى ـ غصة مما أصاب القصر من تدهور بنيته الأساسية وإغلاقه على مدار الأعوام الأخيرة حتى خيم العنكبوت عليه.. ولم تزل الغصة إلا منذ أيام عندما تابع عودة الروح للصرح الثقافى الأهم فى دلتا مصر.
الأحد:
بعد غياب امتد قرابة 15 عامًا جاءت اللحظة التى انتظرها الجميع.. ها هى شمس المعرفة والفكر والفن تسطع من جديد على «جزيرة الورد» بعد أفول طويل.. كانت اللحظة الأنسب التى تم اختيارها لافتتاح القصر بالتزامن مع العيد القومى للمحافظة لتعود هنا ليالى الفن الراقى والاستنارة.
العيد القومى يواكب تاريخ المدينة المنتصرة التى تمرست على هزيمة غزاة الحملات الصليبية.. ثم توالت الانتصارات ولم تتوقف حتى اليوم ويكفى أن سماءها شهدت الانتصار الأهم فى أطول معركة جوية فى التاريخ خلال أكتوبر المجيد.. ولا تزال المدينة يقظة لكل من تسول له نفسه المساس بأمن الوطن أو استقراره.. فلها من اسمها نصيب كبير.
لبيت دعوة المحافظ اللواء طارق مرزوق بالعيد القومى وإعادة شريان الحياة لمسرح «الست» أم كلثوم التى كانت أيقونة الاحتفال.
المسرح اكتظ بأطياف المجتمع الدقهلاوى، فبجانب الضيوف من وزراء ومحافظين حضر رؤساء الجامعات والعلماء والنواب والصحفيون والقيادات التنفيذية والأدباء والشعراء والمواطنون من مختلف المهن ومن تبقى من أسرة أم كلثوم.
أحاط الحضور بالمحافظ لتهنئته أولًا بالعيد القومى وتقديم الشكر له لنجاحه فى إعادة الحياة لقصر الثقافة بمجهود مضنٍ متواصل فى زمن قياسى ودون تحميل موازنة الدولة مليمًا وحدًا.
المحافظ هاله ما آل إليه حال القصر فعقد العزم على إعادته للحياة بعد أن أصبح جثة هامدة.. لجأ للمجتمع المدنى.. لم يفرض مليمًا على أحد.. فالثقة الكبيرة التى توطدت مع أبناء المحافظة كانت وراء هذا التبرع الطوعى من جانب الكثيرين.
تم وضع خطة للنهوض بالقصر على مرحلتين.. وكان مسرح القصر ضمن المرحلة الأولى فلا تزال خشبته هى الأكبر فى مصر.
الرجل وضع ضمن برنامجه اليومى المرور على المسرح لمتابعة تنفيذ الأعمال على أرض الواقع.. فلم يعد سرًا أن المحافظ يبدأ يومه بين الخامسة والسادسة صباحًا ولا يتجه لمكتبه إلا بعد جولة ميدانية يومية تمتد لساعات كان من نتيجتها اقتحام مشاكل متوارثة كالنظافة والإشغالات وغيرهما.
اعتقد البعض فى البداية «أنها شدة الغربال الجديد» لكن تيقن الجميع لاحقًا أن العمل الميدانى جوهر منهجه ولن يغيره.
كان المحافظ منصفًا عندما وجه الشكر لكل من ساهم معه فى تحقيق هذا الإنجاز وعلى الأخص نائبه الدكتور أحمد العدل الذى انتقل بعدها بساعات كنائب لمحافظ القاهرة ليحل محله الدكتور حسين مغربى نائب المحافظ الجديد.
ذكريات لا تنسى
ذكريات قصر الثقافة لا تنتهى حيث تمتد لقرابة نصف قرن عندما كانت مكتبته ملاذنا الأول للانتهاء من أبحاثنا الجامعية.. ثم أصبح التردد عليه طقسًا لقرابة 3 عقود لمتابعة أنشطته أو المشاركة بالحديث فى الكثير من ندواته. ومن حسن الحظ أنه يقع على بعد خطوات من مكتب «أخبار اليوم».
لا أنسى لقاءات الشيخ الشعراوى ولا الإمام جاد الحق ولا العالم فاروق الباز وشقيقه أسامة الباز وأنيس منصور ومحمود أمين العالم وسهرات سيد حجاب والأبنودى وغيرهم الكثير.. فهنا خلع الشعراوى عباءته وأهداها للباز.. وهنا أصر على تقبيل يد جاد الحق غير ذات مرة.
كما لا أنسى لحظة اصطدام المرحوم الخال الأبنودى بقطعة حديد عشوائية على رصيف القصر ونحن نغادره معًا وسقوطه على الأرض ونقله على الفور بمساعدة الصديقين المرحوم الشاعر مصطفى السعدنى وكيل وزارة الثقافة آنذاك والدكتور حسن أبو العينين مدير مركز الكلى حينها للمركز لإجراء الفحوص العاجلة للإطمئنان عليه.
الذكريات والحكايات عن القصر ستحتاج لحديث آخر.. لكن سعادة أبناء الدقهلية بعودة الروح للقصر تزامنت بفرحتهم باستمرار محافظهم الذى أحبوه معهم ليكمل الكثير مما بدأه بعد أن أعاد شرايين الحياة لقلب المدينة الثقافى النابض بالتوازى مع إعادة الرونق لشوارعها وميادينها ولا زال الدقهلاوية ينتظرون منه الكثير.. ومن بين الأحلام الثقافية المؤجلة إقامة متحف أم كلثوم بمسقط رأسها قرية طماى الزهايرة.
لا أحتاج لبرهان على تقدير ومحبة المحافظ طارق مرزوق لسيدة الغناء العربى أم كلثوم فمحبتها مطبوعة فى وجدانه كما فى وجدان كل مصرى وعربى.. والفرحة بعودة الروح لقصر ثقافتها ستكتمل حتمًا بإنشاء متحفها المأمول.. نجاح المحافظ فى إنجاز مشروع فصر الثقافة دفع الصديق الدكتور محمد المهدى أستاذ الطب النفسى الشهير خلال زيارتنا منذ أيام لمسقط رأس الست للجزم بأن المحافظ سينجز المشروع.. خشينا خلال الزيارة من انهيار منزلها مع زيادة عدد الزائرين له من الدول العربية.
سيادة المحافظ:
نثق فى أنك لن تتردد فى إنصاف كوكب الشرق وتاريخها.
وداعًا مفيد شهاب
تظل الكلمات عاجزة عن وداع الأستاذ والأب والصديق القامة الوطنية الدكتور مفيد شهاب.. ظل الرجل فى مسيرته الوطنية محافظًا على تجرده ونزاهته.. كما ظل معتزًا بجذور عائلته الدقهلاوية قدر اعتزازه بعروس البحر المتوسط الإسكندرية التى شهدت مولده وصباه وجانبًا من شبابه، لكن فوق كل ذلك اعتزازه بانتمائه لوطن عظيم فقدم كل ما يستطيع لخدمته.. رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة .

حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين
سفارى قتل البشر







