قلوب تبنى وأياد تمنح.. سير لنماذج ملهمة لصناع الأمل ، حين تصفو القلوب، تتجدد حكايات الخير ، بعيداً عن الأضواء وضجيج الشعارات، حيث لا يقاس العطاء بحجمه، بل بصدقه، ولا تروى القصص بحثاً عن مجد، بل لتذكير الناس بأن الخير ممكن كل يوم ، وأن التضامن ليس موسماً، بل سلوك حياة، وأن العطاء الصامت يصنع أثراً يبقى طويلاً فى قلوب وعقول الناس .
اقرأ أيضًا| ذوو الهمم يضيئون الإبداع بصناعة فانوس رمضان في مركز شباب السنانية بدمياط
فى زقاق ضيق بأحد الشوارع الريفية البسيطة بقرية ريدة بالمنيا، لا تكاد تميز المنزل القديم الواقع فى نهايته عن جيرانه، لولا الرائحة الذكية للطعام الطيب التى تتسرب من نوافذه، وصورة الوجوه المشرقة التى تأتيه وتخرج منه فى أوقات منتظمة، هنا، فى منزل متواضع، يدير الحاج رضا محمد الريدي، 53 عاماً، مشروعاً إنسانياً فريداً، «مطبخ الرضا» للوجبات الخيرية، منزل يتحول إلى نبع خير لإعداد وتوزيع الوجبات الساخنة على المحتاجين.
«الأخبار» رصدت قصة الرجل، وهو من ذوى الاحتياجات الخاصة ويقدم وجباتٍ غذائية يومياً للأيتام والفقراء والمعاقين وذوى الهمم، هو فى ذاته نموذج ملهم للإرادة الإنسانية التى تنتصر على التحديات، فعبر إصراره على العطاء رغم إعاقته، لم يغير فقط حياة العشرات من المحتاجين يومياً، بل أعاد تعريف معانى القوة والعطاء فى مجتمعه، وهى مبادرة تستحق التقدير لأنها ملهمة وتشجع على التضامن الاجتماعي.
فى منزله البسيط، يجلس الحاج رضا محاطًا بأوانى الطهى الكبيرة، بينما تتحرك أسرته من حوله فى تناغم اعتادوه على مدار 15 عاماً من العمل التطوعى المشترك، عيونهم تعرف الطريق، وأيديهم تحفظ تفاصيل العطاء اليومي.
يبتسم الحاج رضا وهو يستعيد البدايات، قائلًا: إن الفكرة وُلدت منذ أكثر من 10 سنوات، حين رأى جارًا مسنًا مريضًا يتناول خبزًا جافًا مع الشاي، عاجزًا عن إعداد طعامه بعد أن أنهكه المرض وفقد زوجته، فى اليوم التالي، قرر أن يعد طعاماً زائداً، وأرسله إليه، دون أن يدرك أن تلك اللفتة البسيطة ستكون بداية طريق طويل من الخير.
وأكد الحاج رضا أن هذا العمل الخيرى أصبح «راحة قلبه»، موضحاً أنه آمن مبكراً بأن صناعة البسمة فى وجوه الآخرين قادرة على أن تصنع حياة كاملة، مشيراً إلى أن اختياره كان واضحاً منذ البداية وهو أن يعيش حياة تمنح الحياة لغيره، مضيفاً أن كل تعب يزول حين يسمع طفلاً يقول: «شبعت»، أو يتلقى دعاء صادقاً من مسن يبارك له، ومنذ سنوات، قرر الحاج رضا أن يحوّل تجربته مع الإعاقة إلى طاقة إيجابية تخدم المجتمع، فبدأت الفكرة ببساطة داخل منزله، حين اعتاد على إعداد وجبات إضافية وتوزيعها على جيرانه من المحتاجين، ومع مرور الوقت، لم تعد المبادرة مجرد فعل عفوي، بل تحولت إلى مشروع يومى منظم، يراه طريقاً للصدق مع الله، ورسالة إنسانية مستمرة لا تنقطع.
وأوضح أنه يقدم الوجبات بشكل يومى للفقراء، والأسر محدودة الدخل، والعائلات التى ترعى أيتامًا، إضافة إلى المرضى وذوى الاحتياجات الخاصة مع تركيز خاص على من يعيشون أوضاعًا مشابهة لوضعه، كما يوفر الطعام لمن لا يستطيعون إعداده بأنفسهم، ويحرص على زيارة مراكز رعاية المعاقين.
وعبر رضا عن سعادته الغامرة حين يرى البسمة ترتسم على وجوه الفقراء والمحتاجين، مؤكدًا أن ضمان وجبة غذائية يومية لمن هم فى حاجة يمنحه شعورًا بالراحة والرضا، وأن كلمات الشكر والدعاء التى يسمعها من المستفيدين تمنحه طاقة إيجابية تدفعه للاستمرار رغم المشقة.
وأضاف الحاج رضا أنه يحرص كذلك على المساهمة فى تجهيز عرائس الأيتام، لإدخال الفرح إلى قلوبهن وطمأنتهن بأن فقدان الأب لا يعنى غياب السند، مؤكدًا أن ما يقدمه ليس مجرد دعم مادي، بل رسالة إنسانية مفادها أن الله يبعث دائمًا قلوبًا رحيمة لتعوض ما فُقد.
وقالت أم محمد، زوجته، 49 عاماً : «رضا علمنا أن الخير لا يُقاس بالمال فقط نحن أسرة بسيطة، نعمل معاً بحب، نضحك ونعد الطعام للناس، وهذه هى سعادتنا الحقيقية»، مضيفة : الهدف ليس أن نطعم الجوعى فحسب، بل أن نذكر الناس بأن الإنسان أخو الإنسان، وأن الخير عدوى حسنة، الفقير الذى يأتى ليأخذ طعامه، ويجلس معنا قليلاً، يشاركنا أحزانه وأفراحه، نستعيد معه معنى الاحترام الذى فقده فى صراع الحياة.
ويقول أحد المستفيدين من المطعم الخيري، وهو أب لأربعة أيتام: «فى أوقات كثيرة، كان طعام الحاج رضا هو الوجبة الوحيدة الدافئة لأولادي، هو لا يعطينا طعاماً فقط، يعطينا كرامة، يجعلنا نشعر أن هناك مَن يهتم».
حول مائدة بسيطة، يجلس المتطوعون والمستفيدون معاً، يأكلون ويتبادلون الأحاديث، هنا، يذوب الفرق بين المعطى والآخذ، ويبقى فقط التواصل الإنسانى العميق.
وأكد حمادة فتحي، سائق توك توك بالقرية أنه فى زمن تُكثر فيه المؤسسات الكبيرة والبروتوكولات، يثبت هذا الرجل المسن أن التغيير يبدأ من المنزل، وأن القلب الكبير أهم من الميزانية الضخمة، مطبخ الحاج رضا ليس مجرد مكان لصنع الطعام، بل هو نبع خير لصنع الأمل وإصلاح النفوس.
ابنة الحاج رضا تقف بين عطور توابل تملأ المكان دفئاً، تحضر أطباقاً من الطعام الصحى اللذيذ لمن ضاقت بهم السبل فى القرية، فكل صباح، تبدأ رحلتها اليومية بنقع الأرز، وتقطيع الخضار، وطهو الدجاج بطريقتها السرية، ليس لأولادها الصغار بل لعائلاتٍ تمر بأوقات صعبة، ومرضى لا يقوون على إعداد طعامهم، لم تنتظر ابنة الحاج رضا من أحد أن يبادر، بل حولت وقت فراغها إلى مصنع صغير للخير، قالت وهى تبتسم: «نعم، يداى تؤلماننى أحياناً، لكن فرحة من يستلم الطعام الدافئ تخفف كل ألم»، وهى تعد وجباتٍ خاصة لمن يعانى من أمراضٍ معينة، تضع فيها حبة دواء اسمها «الاهتمام».
وأكد محمد رضا، 16 عاماً، أنه يساعد والده يومياً فى مطبخ الرضا الخيرى وفى مشهد يتكرر يومياً ويساعد فى تحضير وتوزيع وجبات الخير، قائلاً: «لا أنتظر الأجر أو الثناء، بل أدرك أن فى كل وجبة تعبأ بيدى أملاً يعاد لأسرة».
هكذا، لا يعود «مطبخ الحاج رضا» مجرد مكان لإعداد الطعام، بل مساحة يومية تُستعاد فيها معانى الرحمة والتكافل، من منزل بسيط فى قرية ريدة بالمنيا، خرج فعل صغير ليصنع أثراً كبيراً، ويؤكد أن العطاء الحقيقى لا يحتاج إلى إمكاناتٍ ضخمة، بل إلى قلب صادق وإرادة لا تعرف التراجع، وبين وجبة تًقدم وكرامة تُصان، تظل تجربة الحاج رضا شاهداً حياً على أن الخير حين يُمارس بإخلاص، يتحول إلى حياة تُمنح كل يوم لمن هم فى أمس الحاجة إليها.
فاشون| كوليكشن «أميرة» لصيف ٢٠٢٦.. جرأة وبهجة
فاشون| بيوت تحت «الضغط» وصفة لمواجهة «بعبع» الامتحانات
منة شلبى وحمزة العيلى.. محمد سامى ويسرا







