يأتي شهرُ رمضانَ ليكون مدرسةً إيمانيَّةً متجدِّدةً تُعنىبتربيةِ الضميرِ الأخلاقيِّ في نفسِ الإنسان؛ إذ لا يقفُ الصيامُعند حدودِ الامتناعِ عن الطعامِ والشرابِ، بل يتجاوزُ ذلك إلىبناءِ إنسانٍ يراقبُ ربَّه في خلواته كما يراقبه في علانيته. فالضميرُ الحيُّ هو الذي يردعُ صاحبَه عن الخطأ حتى إذاغاب الرقيبُ البشريُّ، ويجعله ملتزمًا بالقيمِ والمبادئِ في كلِّأحواله ومن هنا كان رمضانُ موسمًا لإحياءِ هذا الضميرِ،وتجديدِ الصلةِ بين العبدِ وربِّه، حتى تصبحَ التقوى خُلُقًا راسخًاوسلوكًا دائمًا.
وقد أشار القرآنُ الكريمُ إلى هذه الغايةِ العظيمةِ في قولهتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَىالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]؛ فالتقوى هيالثمرةُ الكبرى للصيام، وهي في حقيقتها حالةٌ من الوعيِالدائمِ بحضورِ الله تعالى في حياةِ الإنسان، بحيثُ يستشعرُرقابتَه في السرِّ والعلنِ، فيمتنعُ عن المعصيةِ لا خوفًا منالناس، بل تعظيمًا لله ومهابةً له.
والصيامُ من أعظمِ العباداتِ التي تُنمِّي هذا المعنى؛ لأنَّهعبادةٌ خفيَّةٌ لا يطَّلعُ عليها الناسُ على الحقيقة. فقد يستطيعُالإنسانُ أن يُخفيَ فطرَه عن أعينِ الناسِ، ولكنَّه يمتنعُ عن ذلكلأنَّ ضميرَه اليَقِظَ يذكِّره بأنَّ الله مطَّلعٌ عليه ولهذا جاء فيالحديثِ القدسيِّ: «كلُّ عملِ ابنِ آدمَ له، إلا الصومَ فإنَّه لي وأناأجزي به»، في إشارةٍ إلى خصوصيَّةِ هذه العبادةِ التي تقومُعلى الإخلاصِ ومراقبةِ الله تعالى.
كما يُربِّي الصيامُ المسلمَ على ضبطِ السلوكِ والأخلاقِ،فيتعلَّم أن يكون صادقًا في كلامِه، عفيفَ اللسانِ، متحكِّمًا فيانفعالاتِه وقد نبَّه النبيُّ ﷺ إلى هذا المعنى فقال: «مَن لم يدَعْقولَ الزورِ والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أن يدَعَ طعامَهوشرابَه»؛ أي إنَّ الصيامَ الحقيقيَّ ليس مجرَّدَ الامتناعِ عنالطعامِ، بل هو امتناعٌ عن كلِّ ما يُخالفُ الأخلاقَ والقيم.
ومن مظاهرِ تربيةِ الضميرِ في رمضانَ أنَّ الصائمَ يتدرَّبُعلى كبحِ شهواتِه وضبطِ رغباتِه، فيتعلَّم أن يكون سيِّدًا لنفسِهلا أسيرًا لها فالإنسانُ الذي يملكُ القدرةَ على تركِ ما هو مباحٌ– كالأكلِ والشربِ – طاعةً لله، يصبحُ أقدرَ على تركِ ما هومحرَّمٌ في سائرِ أيَّامه. وهكذا يتحوَّلُ الصيامُ إلى تدريبٍ عمليٍّعلى قوَّةِ الإرادةِ والاستقامةِ السلوكيَّة.
ولا يقتصرُ أثرُ هذه التربيةِ على الفردِ فحسب، بل يمتدُّإلى المجتمعِ كلِّه؛ فحين يراقبُ الإنسانُ نفسَه ويحاسبُها، تقلُّمظاهرُ الاعتداءِ والغشِّ والكذبِ، ويحلُّ محلَّها الصدقُ والأمانةُوالرحمةُ. ومن هنا يصبحُ رمضانُ عاملًا مهمًّا في تعزيزِ السِّلمِالمجتمعيِّ؛ لأنَّ الضميرَ الحيَّ هو الحارسُ الحقيقيُّ للنظامِ والقانون.
وعليهِ، فإنَّ أعظمَ ما ينبغي أن يخرجَ به المسلمُ منرمضانَ هو ضميرٌ يقظٌ وقلبٌ حيٌّ يراقبُ الله تعالى في كلِّشأنٍ. فإذا استمرَّت هذه المراقبةُ بعد رمضانَ، كان الصيامُ قدحقَّق غايتَه التربويَّةَ الكبرى؛ إذ يصبحُ الإنسانُ مستقيمَالسلوكِ في السرِّ والعلنِ، ممتثلًا لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَيَرَى﴾ [العلق: 14]، فيعيشُ حياتَه كلَّها على ميزانِ التقوىومراقبةِ الله تعالى.

تحت أول ضوء شمس
تصحيح أفكار خاطئة
عقبال بقية مارينا







