فى فجر كان يكسوه سكون مهيب، والزمن قد أبطأ خطاه، مترقبًا حدثًا سيهزّ ضمير التاريخ.. التاسع عشر من رمضان عام ٤٠هـ، حين وقف «إمام المتقين» على بن أبى طالب، كرّم الله وجهه، يرفع بصره إلى السماء طويلًا، كأنما يقرأ اقتراب ساعته فى صفحات الغيب، ثم نطق بصوت تملؤه سكينة العارف ويقين المؤمن: «ما كذبتُ ولا كُذِّبتُ.. إنها الليلة التى وُعدتُ بها».
خرج الإمام إلى المسجد بقلب مفعم بالإيمان، يوقظ النائمين للصلاة ويهتف فيهم: «الصلاةَ.. الصلاةَ»، كانت تلك العبارة التى أيقظت القلوب، آخر ما قاله قبل أن يُفتح الستار على فصلٍ دامٍ فى التاريخ الإسلامى.
وفى لحظة غادرة، وبينما كان الإمام غارقًا فى خشوعه، انقضَّ عليه رجل معبأ بالكراهية، هو عبد الرحمن بن ملجم، وهوى بسيفه على رأس الإمام صارخًا: «الحكم لله لا لك»، وسقط الجسد الطاهر مضرجًا بالدماء، لكن الكلمات التى خرجت من بين شفتيه كانت أكبر من الألم، وأعمق من الموت «فزتُ وربِّ الكعبة».
ومنذ تلك اللحظة التاريخية بدأت تتجلى ملامح ما عُرف لاحقًا باسم «الفتنة الكبرى»، حين امتزجت السياسة بالدين، واختلطت المطامع بالشعارات، وانقسمت الأمة شيعًا وأحزابًا، بعد أن كانت على قلب رجل واحد.
وأكثر ما يستحق التدبر، كان موقف الإمام الشهيد، فلم يحرّض على الانتقام، بل أوصى أبناءه وأهله «النفس بالنفس.. فإن أنا مت فاقتلوه كما قتلنى، وإن عشت رأيتُ فيه رأيى».. وأسلم الروح يوم ٢١ رمضان، ضاربًا أروع الأمثلة، حارسًا للعدل، ورافضًا أن تتحول العدالة إلى انتقام.
وحين نتأمل عبارة ابن ملجم «الحكم لله لا لك»، تكشف مثالًا مبكرًا لاستخدام الشعارات الدينية لتبرير العنف والقتل، وتوظيف الدين فى معارك السياسة والسلطة، حيث تُحرَّف المعانى وتُقتطع النصوص، لتخدم السيف بدل أن تهدى الإنسان.
جاء الإسلام ليبنى الإنسان أخلاقيًا، ويغرس فى النفوس قيم الصدق والعدل والرحمة، ولم يُبعث محمد صلى الله عليه وسلم إلا ليتمم مكارم الأخلاق، ويحرر الإنسان من ظلمات الجهل والتعصب، غير أن بعض أبناء الأمة أساءوا فهم الرسالة، فحوّلوا الدين من مصدر نور إلى أداة صراع.
عظمة الإسلام لم تنتشر بالقوة ولا بحد السيف، بل بالعقل والرحمة والأسوة الحسنة، وعندما يبتعد الناس عن هذه القيم، فإنهم لا يتقدمون نحو المستقبل، بل يعودون إلى عصور الظلام، حيث يسود التعصب ويختفى صوت الحكمة.
ويبقى استشهاد الإمام علىّ درسًا خالدًا فى التاريخ، خلاصته أن القتل قد ينهى حياة إنسان، لكنه لا يستطيع إخماد القيم التى عاش من أجلها، وأن العدالة والرحمة التى جسَّدها فى آخر لحظاته، ستظل شاهدًا على أن الدين الحقيقى لا يُبنى بالسيف، بل بالأخلاق التى ترفع الإنسان فوق صراعاته.

من رحم «النكسة» وٌلد «العبور»
عمرو الخياط يكتب: المسئولية المجتمعية لوزارة الداخلية
الكونجرس الأمريكى ضد الحرب.. من يؤيدها؟!







