تأتى سلسلة مقالات «العدل فى الإسلام» فى شهر رمضان إيمانًا منى بأهمية العدل وقيمته فى حياتنا اليومية، فحرصت على الاستشهاد بنماذج مضيئة من تاريخنا الإسلامى جسَّدت العدل قولًا وعملًا، فكانت رسالة نبى الله محمد -صلى الله عليه وسلم-، خير دليل على أركان العدل، ومن بعده جاء عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضى الله عنه-، الحاكم الذى اقترن اسمه بالعدل حتى قيل إن عدله كان سببًا فى قوة الدولة واستقرارها، وتلاه الأمير عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-، الذى أعاد للعدل روحه فى زمن كثرت فيه الفتن، حتى عُدَّ عهده من أزهى عصور الإنصاف بين الرعية.
ولقد حان الوقت للحديث عن الإمام الذى وُصف بأنه الشمس للدنيا والعافية للناس بسبب علمه وحكمه وعدله وقضائه، وقدرته على حل المسائل الفقهية والحكم فيها بالإنصاف، إنه الإمام محمد بن إدريس الشافعى -رحمه الله-، ثالث الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وصاحب المذهب الشافعى ومؤسس علم أصول الفقه، الشافعى الذى جمع بين الفقه والقضاء والعلم والأدب والشعر، وكان يرى أن القضاء أمانة عظيمة ومسئولية لا تقوم إلا على أساس من العدل والإحسان، وأن العلم هو الطريق الأقوم لتحقيق هذا العدل.
وقد قدَّم نموذجًا فريدًا لعالمٍ وقاضٍ جمع بين دقة الفقه ونقاء الضمير، حتى صار اسمه مقترنًا بالعلم والإنصاف معًا، لم يكن العدل عنده شعارات تُقال، بل مواقف تُعاش وقصص تُروى تكشف كيف يكون ميزان الحق قائمًا فى قلب العالم قبل أن يكون فى يده. وقد قال: «إذا غاب العدل حضرت الفتنة».
كما وضع الشافعى شروطًا صارمة للقاضى، جعلتنا نحن كقضاة نسير على دربها؛ إذ رأى أن القاضى لا بد أن يكون عالمًا بالكتاب والسنة، وآثار السلف، وأقوال العلماء، والقياس، ولسان العرب، لأن الحكم بين الناس مسئولية عظيمة لا تحتمل الجهل أو الهوى، وكان يؤكد أن القاضى العادل يجب أن يجمع بين العلم والورع وحسن الفهم.
ومن أبرز تلك المواقف ما تعرَّض له أثناء توليه القضاء فى نجران باليمن، حيث واجه فسادًا واسعًا بين بعض ذوى النفوذ، ولما وقف فى وجه الظلم دُبِّرت له مكيدة، واتُّهم بمناصرة العلويين ضد الدولة العباسية، وهى تهمة كفيلة بإهلاك صاحبها، فحُمل مكبَّلًا بالقيود إلى الخليفة هارون الرشيد، غير أن الشافعى لم يفقد ثباته، ودافع عن نفسه بحجة قوية وبلاغة آسرة كشفت صدقه ونزاهته، ووقتها اقتنع الرشيد ببراءته وأطلق سراحه، بل أعجب بعلمه وعدله إلى درجة أنه عرض عليه القضاء مرة أخرى، فكانت تلك المحنة دليلًا على أن صاحب الحق قد يُبتلى، لكن عدله يكون سبب نجاته.
ومن القصص التى تُظهر عمق عدله مع نفسه ما رُوى عن انتقاله من العراق إلى مصر، حيث أعاد النظر فى كثير من آرائه الفقهية، وغيَّر مذهبه القديم إلى الجديد بعدما تبين له اختلاف البيئات والأدلة، ولم يمنعه مقامه العلمى ولا شهرة آرائه من الرجوع إلى ما يراه أقرب إلى الصواب، فى موقف يجسد شجاعة علمية نادرة، ويؤكد أن العدل الحقيقى يبدأ بالإنصاف مع النفس قبل الحكم على الآخرين.
كما كان مميزًا بحكمته وسرعة بديهته ما رُوى أنه سُئل عن خمسة رجال زنوا بامرأة، فاستحق كل واحد منهم حكمًا مختلفًا؛ القتل للأول لأنه استحل الزنا فصار مرتدًا، والرجم للثانى لأنه محصن، والجلد للثالث لأنه غير محصن، ونصف الحد للرابع لأنه عبد، ولا شىء على الخامس لأنه مجنون. وهى إجابات تُظهر دقة تطبيق الشريعة بحسب حال كل فرد، وهو جوهر العدل الإسلامى.
فالعدل هو أساس الملك، وبدونه تتحول القوة إلى ظلم، والسلطة إلى استبداد، والعلم إلى أداة فى يد الهوى. فالعدل سلوك يومى ومنهج حياة، فلا صلاح للأفراد ولا للأمم إلا بالعدل، ولا عدل حقيقيًا بلا علم وتقوى ورحمة، وهذا منهجى فى حياتى.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







