«هذه ليست فضفضة فى هذا العمر، بل هى لأذكر نفسى بأصحاب الفضل علىّ، وهم كُثر».
وأنا أبدأ خطواتى فى السنة الثالثة بعد السبعين أشعر وكأنى مولود يبدأ حياته من جديد. أحمد الله أنى على الفطرة السمحة، ومتيقن تمام اليقين أننى لا أحمل ضغينة ولا حقدًا ولا حسدًا لأحد. دائمًا دعائى فى سجودى اللهم انزع الغل والحقد والحسد من صدرى. أعيش متسامحًا مع نفسى، مؤمنًا بما قدره الله لى، حامدًا شاكرًا لما وصلت إليه، زاهدًا فيما فى يد غيرى. أتغاضى عن من ظلمنى أو اغتابنى او بهتنى أو آذانى، بل وأعلنها أننى سامحت هؤلاء وتركت أمرهم لمالك الملك، الذى يقول «فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه» سورة الشورى. وفى نفس الوقت أرجو ممن تصور أو جال بخاطره أو حدث خطأ منى أن يسامحنى، لأنه سهو منى.
هذه ليست فضفضة فى هذا العمر، بل هى لأذكر نفسى بأصحاب الفضل علىّ، وهم كُثر. وهنا أعرض لعلامات مضيئة فى حياتى مع عدد من الشخصيات، كان لها بالغ الأثر فى مسيرتى. أولهم والدى ووالدتى رحمات الله عليهما. خاصة بعد نجاحى فى الثانوية العامة اختار لى تنسيق القبول بالجامعات كلية التربية بالمنصورة، وفعلًا دخلت قسم اللغة الانجليزية بها. لكن هوايتى ورغبتى الصحافة وتمنيت الالتحاق بمعهد الإعلام بجامعة القاهرة، والذى تحول بعدها إلى كلية، وللقبول به اختبارات خاصة شفوية وتحريرية. ورغم الحالة المادية الصعبة لنا أصر والدى على تحقيق رغبتى، وفعلًا نجحت فى الاختبارات وأصبحت طالبًا بالإعلام.
جلال الحمامصى
كان أستاذنا جلال الدين الحمامصى قد أسس جريدة صوت الجامعة لتكون تدريبًا عمليًا للطلبة. عملت بها وحصلت على مكافأة منه «جنيهان»على انفراد نقلته عنا جريدة الأخبار وقتها. لم اكتف بصوت الجامعة، بل امتد نشاطى للعمل متدربًا بجريدة تعاون الطلبة والمساء وغيرهما. بعد التخرج التقينا بالأستاذ جلال فى مكتبه بالدور السابع بالأخبار على أمل منحنا فرص العمل. وللأسف كان وقتها على خلاف مع الأستاذ موسى صبرى رئيس «أخبار اليوم «، رغم أنه تلميذه، فلم يتمكن من إلحاقنا بالمؤسسة. كنت فى ضيق شديد، وهممت بالنزول بمصعد المؤسسة إلى الشارع. فوجئت بالدكتور صلاح قبضايا وكان من أكبر صناع التحقيقات الصحفية ومعلمًا لها بالكلية. رحب بى وسألنى إلى أين قلت له إلى الشارع!. فقال لى «تعالى معى». ودخل بى مكتبًا كبيرًا ليقدمنى للأستاذ عبد الوارث الدسوقى مستشار رئيس مجلس الإدارة والمشرف على الصفحة الدينية والمقالات.
عبد الوارث
شعرت بالأمان مع رجل يتحدث لهجتنا الريفية. سألنى العديد من الأسئلة، أبرزها هل لك علاقة بالإخوان المسلمين، قلت لأ، إنما تشابه أسماء والدى اسم شهرته حسن البنا، والبنا هنا لقب عيلة تعمل فى البناء، وليس فى اسمى البنا، إنما هى الشهرة!.
لابد أن أعترف أن هذا الاسم سبب لى الكثير من المتاعب، لكنه التصق بى منذ صغرى. أنا بطبعى لا أحب الانضمام إلى أحزاب أو جمعيات أو تيارات أو فصائل، ولم أنضم إلى أى منها طوال حياتى، مقتنعًا بمبدأ علمه لنا الحمامصى «الصحفى مستقل وموضوعى ونزيه». أعود إلى الأستاذ الكبير عبد الوارث الدسوقى رحمه الله، فلتة لن تتكرر فى عالم الصحافة سواء بالموضوعية أو الكتابة أو الرؤية الفكرية المنفتحة على الكل مهما اختلفت أو تصارعت الأفكار. وكانت له لمحات إنسانية وخيرية، ينطبق عليه قول الله سبحانه وتعالى «يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة». أقام فى بلدته بالمنوفية صروحًا للخير ورعاية الأيتام. جعلها الله فى ميزان حسناته. استمررت بالعمل معه فى الصفحة الدينية.
نادية العسقلانى
بعد أيام قدمنى الأستاذ عبد الوارث للأستاذ جلال عيسى رئيس قسم الأخبار. رحب بى وقدمنى إلى الأستاذة نادية العسقلانى رئيس قسم الخدمات والقضايا، وهو قسم يضم المحررين المسئولين عن تغطية عدد كبير من وزارات الخدمات والهيئات القضائية والنيابة العامة. طلبت منى تغطية أخبار مجلس الدولة، حيث كان يتولاها الأستاذ لطفى نصر وسافر للعمل بالخارج ولم تعثر على من يخلفه بنفس كفاءته. شجعتنى الأستاذة نادية ـ أطال الله فى عمرها ومتعها بالصحة والعافية ـ واكتسبت ثقتها سواء فى الانتظام بالحضور أو بالعمل. واستطعت تقديم العديد من الانفرادات الصحفية للأخبار طوال فترة عملى بمجلس الدولة. حتى اختارنى الأستاذ سعيد سنبل رئيس تحرير الأخبار، رحمه الله، لرئاسة القسم القضائى خلفًا للأستاذة نادية. ولا يفوتنى أن أذكر أستاذنا جلال عيسى رحمه الله بالخير، فقد كان صحفيًا ونقابيًا محترمًا، تكالبت عليه الذئاب، حينما اعترض على قانون اغتيال الصحافة أيام الرئيس حسنى مبارك. ولذلك قصة أخرى قد نأتى إليها فى يوميات قادمة.
إسماعيل يونس
وأنا أعمل بالقسم القضائى كانت لى تجربة ثرية مع الأستاذ الكبير إسماعيل يونس نائب رئيس تحرير الأخبار. فقد اختارنى لكتابة القصص الإنسانية وعلمنى أصول كتابتها وشربت منه الأسلوب المميز فى الكتابة الصحفية بشكل عام، خاصة اليوميات. كما تعلمت منه الصحافة الرياضية حينما اختارنى مديرًا لتحرير مجلة «الزمالك» التى كان يرأس تحريرها. وفى أواخر أيامه أصيب بجلطة دماغية أقعدته البيت حتى توفاه الله، أسأل الله له الرحمة والمغفرة.
محمد بركات
أطال الله فى عمرالأستاذ الكبير محمد بركات، ومتعه بالصحة والعافية، نصفنى، وأعاد لى حقى المسلوب، منحنى ترقيتين فى عام واحد. حينما تولى رئاسة تحرير الأخبار خلفًا للراحل الأستاذ جلال دويدار، فوجئت بالأستاذ بركات يصدر قرارًا بترقيتى إلى نائب رئيس تحرير، وبعدها بسنة يمنحنى لقب مدير تحرير. وقد كان متميزًا فى عمله سواء فى رئاسة التحرير أو رئاسة مجلس الإدارة، وكان موضوعيًا ومحبًا للخير. وهو أول من سارع بتحسين أجور العاملين، وصرف حوافز مستمرة، لها أبلغ الأثر فى حياتهم.
حينما توليت رئاسة تحرير «الأخبار» فى 7 أغسطس 2012 إلى يونية 2014، كانت مطالب الإخوان منع كبار الكتاب مثل «أحمد رجب وجلال دويدار ومحمد بركات وجمال الغيطانى» رفضت وقلت لهم ده تخريب للجريدة واستمر الكتاب فى مواقعهم. وهنا أؤجل الحديث عن فترة الإخوان إلى يوميات أخرى بإذن الله.
بلال وعاطف وكرم
أتوقف، سريعًا، عند مسئولية رئيس التحرير وصياغة سياسة الجريدة. فقد تربيت صحفيًا على يد الأستاذ الكبير جلال الدين الحمامصى، وقناعتى أن تكون الجريدة معبرة عن المواطن أولًا والشارع ثم الحكومة. اخترت أخى الراحل مصطفى بلال مديرًا تنفيذيًا للجريدة، لتميزه بالصدق والأمانة والموضوعية والكفاءة. كما اخترت لتنفيذ سياسة الجريدة رضا محمود وعبد القادر محمد على وكرم سنارة وعاطف زيدان رحمهم الله، مع شباب «الأخبار» الذين تولوا قيادتها بعد ذلك. انطلقت «الأخبار» فى ثوب مميز تحسدنا عليه الصحف الأخرى. وكان لنا صولات وجولات ضد الإخوان. يشهد على ذلك مجلدات الجريدة التى أحتفظ بها فى مكتبتى!.
أفلا يتدبرون
روى الترمذى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا، فَقَالَ: يَا غُلَامُ إِنِّى أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ».

السيد النجار يكتب: ومـاذا عن..؟
حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين







