الإنتاج المحلى وتقليل الاعتماد على الاستيراد يحد من التقلبات العالمية
خبراء: ارتفاع الطاقة ینعكس على تكلفة إنتاج السلع والمنتجات
برامج الحماية الاجتماعية لمحدودى الدخل.. أبرز الحلول
نجوى الفضالى
فى ظل التطورات الإقليمية المتسارعة التى تلقى بظلالها على الاقتصاد العالمي، وما يصاحبها من موجات متلاحقة لارتفاع الأسعار واضطراب سلاسل الإمداد، يواجه المواطن ضغوطًا معيشية متزايدة تفرض تحديات يومية على قدرته الشرائية، ومع تصاعد هذه التحديات، تتحرك الدولة بعدة أدوات وسياسات اقتصادية فى محاولة لاحتواء موجة الغلاء والحفاظ على قدر من الاستقرار فى حياة المواطنين..
وفى هذا التحقيق، نرصد ملامح دور الدولة فى مواجهة «وحش الأسعار» الذى لا يتوقف عن النمو، من خلال استعراض أبرز السياسات والإجراءات المتبعة للحد من تأثيرات التضخم، إلى جانب آراء خبراء الاقتصاد، وتجارب المواطنين داخل الأسواق، فى محاولة لفهم حجم الأزمة وملامسة طرق التعامل معها على أرض الواقع..
اقرأ أيضًا| محمد معيط: حرب المنطقة تُهدد بموجة تضخم ثانية
تتطلب مواجهة ارتفاع الأسعار تحركًا متكاملًا، فالدولة تمتلك أدوات رقابية لضبط الأسواق ومنع الاحتكار والتلاعب بالسلع، وأدوات تشريعية لفرض عقوبات رادعة على من يستغل الأزمات لرفع الأسعار دون مبرر، كما تلعب السياسة النقدية دورًا مهمًا فى السيطرة على التضخم والحفاظ على استقرار السوق.. وفى الوقت نفسه، يظل توفير السلع الأساسية عبر المنافذ الحكومية والمعارض أحد أهم الوسائل لزيادة المعروض وكسر موجات الغلاء، وعلى المدى الطويل، يبقى دعم الإنتاج المحلى وتقليل الاعتماد على الاستيراد هو الحل الأكثر استدامة لحماية الاقتصاد والمواطن من تقلبات الأسعار العالمية، وفقًا لما أكده الخبراء.
قال د. أبوبكر الديب، مستشار المركز العربى للدراسات والباحث فى العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي، إنه فى ظل المتابعة الدقيقة لتطورات المشهد الاقتصادى خلال الفترة الأخيرة، يظهر جليا أن الدولة المصرية لم تقف موقف المتفرج أمام موجة ارتفاع الأسعار التى ضربت معظم اقتصادات العالم، بل تعاملت مع الأمر باعتباره معركة اقتصادية تتطلب مزيجًا من الأدوات المالية والتنظيمية والرقابية فى آن واحد، فالتحدى لم يكن محليًا بقدر ما كان انعكاسًا لتحولات دولية كبيرة، بداية من اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية مرورًا بارتفاع تكاليف الطاقة والشحن، وصولًا إلى التوترات الجيوسياسية التى ضغطت على أسعار السلع الأساسية، ومع ذلك، تحركت الدولة عبر حزمة متكاملة من السياسات هدفها الأساسى حماية المواطن والحفاظ على استقرار السوق فى الوقت نفسه، وهو توازن صعب لكنه ضرورى للحفاظ على تماسك الاقتصاد.
وأضاف الديب أن أحد أهم هذه الأدوات تمثل فى توسيع شبكة الحماية الاجتماعية بشكل غير مسبوق، حيث تم توجيه موارد مالية إضافية لدعم الفئات الأكثر احتياجًا، سواء عبر برامج الدعم النقدى أو من خلال زيادة مخصصات التموين والخبز، بما يضمن بقاء السلع الأساسية فى متناول ملايين الأسر، هذه السياسة لم تكن مجرد إجراء اجتماعي، بل كانت أداة اقتصادية مباشرة لتخفيف أثر التضخم على القوة الشرائية للمواطنين، وهو ما ساهم فى امتصاص جزء كبير من الصدمة السعرية التى كان يمكن أن تكون أكثر قسوة لو تُركت الأسواق دون تدخل.
اقرأ أيضًا| نيران الحرب تحرق اقتصاد العالم
تعزيز الدور الرقابى
وتابع الخبير الاقتصادي، بأن الدولة أدركت أن السيطرة على الأسعار لا يمكن أن تتم فقط عبر الدعم، بل تحتاج إلى ضبط الأسواق ومواجهة الممارسات الاحتكارية، لذلك تم تعزيز الدور الرقابى للأجهزة المعنية لضمان توافر السلع ومنع التلاعب بها، وقد انعكس ذلك فى حملات مكثفة على الأسواق والمخازن، بالتوازى مع إجراءات تنظيمية تستهدف تحقيق قدر أكبر من الشفافية فى حركة السلع والتجارة، كما لعبت المنافذ الحكومية وسلاسل الإمداد التابعة للدولة دورًا مهمًا فى إعادة التوازن إلى الأسواق، حيث ساهمت فى توفير السلع الأساسية بأسعار أقل من مثيلاتها فى بعض الأسواق مثل أهلا رمضان وأسواق اليوم الواحد ومنافذ أمان، الأمر الذى خلق نوعًا من المنافسة التى حدّت من موجات الارتفاع غير المبرر، وأثبتت هذه الآلية فاعليتها لأنها لا تعتمد فقط على القرارات الإدارية، بل تستخدم قوة العرض والطلب لصالح المستهلك.
كما أكد أنه لا يمكن تجاهل الدور الذى لعبته السياسات النقدية فى إدارة الضغوط التضخمية، حيث سعى البنك المركزى إلى تحقيق قدر من الاستقرار فى السوق النقدى عبر أدوات متعددة تهدف إلى تقليل التقلبات الحادة فى الأسعار والحفاظ على توازن السوق المالية، كما أن هذه الإجراءات قد تكون صعبة فى بعض الأحيان، لكنها تبقى ضرورية لضبط الإيقاع العام للاقتصاد ومنع التضخم من الخروج عن السيطرة.
وأوضح أنه لا يمكن أن نغفل عن دور الدولة فى زيادة المعروض من السلع عبر دعم الإنتاج المحلى وتسهيل عمليات الاستيراد للسلع الاستراتيجية، وهو مسار مهم لأنه يعالج جذور المشكلة وليس فقط نتائجها، فكلما ارتفع حجم المعروض فى السوق تراجعت الضغوط السعرية تلقائيًا، وهو ما تسعى الحكومة إلى تحقيقه من خلال تشجيع الصناعة والزراعة وتعزيز الأمن الغذائي، وتمثل هذه الاستراتيجية تحولًا مهمًا من سياسة رد الفعل إلى سياسة الاستباق، حيث لم يعد الهدف مجرد احتواء ارتفاع الأسعار بل تقليل احتمالات حدوثه من الأساس.
وأشار إلى أن الدولة تحركت على محور آخر لا يقل أهمية، وهو إدارة توقعات السوق، لأن جزءًا من التضخم فى كثير من الأحيان يرتبط بعوامل نفسية وتوقعات التجار والمستهلكين، ولذلك كان هناك حرص واضح على إرسال رسائل طمأنة مستمرة حول توافر السلع واستقرار الإمدادات، وهو ما ساعد على تقليل حالة القلق التى قد تدفع بعض الأسواق إلى رفع الأسعار بشكل مبالغ فيه، ومن خلال هذه الرؤية المتكاملة يمكن القول إن الدولة تستخدم مزيجًا من الأدوات الاجتماعية والاقتصادية والتنظيمية فى مواجهة موجة الغلاء، وهو ما يعكس إدراكًا لطبيعة الأزمة باعتبارها متعددة الأبعاد.
تكامل الأدوات
وفى ذات السياق، أكدت د. هدى الملاح، مدير عام المركز الدولى للاستشارات الاقتصادية ودراسات الجدوى وعضو هيئة التدريس بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري،
أن مواجهة ارتفاع الأسعار لا تعتمد على أداة واحدة فقط، بل بتكامل السياسات الاقتصادية و تكامل الرقابة وزيادة الإنتاج وتوفير السلع للمواطن بأسعار عادلة، فالدولة لديها عدة أدوات لمواجهة موجات ارتفاع الأسعار، أهمها الأداة الرقابية وذلك من خلال تشديد الرقابة على الأسواق ومنع الاحتكار والتلاعب بالأسعار، وتفعيل دور الأجهزة الرقابية لضبط الأسواق.
وشددت على ضرورة سن قوانين رادعة ضد الممارسات الاحتكارية أو حجب السلع، وقد يصل الأمر إلى تشديد العقوبات على المتلاعبين بالأسعار، مع الاهتمام بالأداة التموينية، من خلال توفير السلع الأساسية بكميات كافية عبر المنافذ الحكومية والمعارض لتقليل الضغط على السوق، مؤكدة أيضا على دور البنك المركزى فى السيطرة على التضخم عبر السياسات النقدية مثل التحكم فى أسعار الفائدة والسيولة.
وأشارت إلى الأداة الاجتماعية عبر برامج الحماية الاجتماعية مثل دعم السلع الأساسية وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعى لحماية الفئات الأكثر تأثرا بارتفاع الأسعار، أما الأداة الإنتاجية وهى الأهم على المدى الطويل، من خلال دعم الإنتاج المحلى وتقليل الاعتماد على الاستيراد بما يحد من تأثير تقلبات الأسعار العالمية، وحتى يتم مواجهة ارتفاع الأسعار لا يتم الاعتماد على أداة واحدة فقط، بل على تكامل الرقابة مع زيادة المعروض من السلع وتحفيز الإنتاج المحلي، حتى يتحقق التوازن فى الأسواق ويحافظ المواطن على قدرته الشرائية.
تحليل الأسباب العالمية
ومن جهته، حلل الخبير الاقتصادى الدكتور رشاد عبده، الأسباب الأساسية التى تقف وراء ارتفاع الأسعار، مؤكدا أن التطورات الجيوسياسية تلعب دوراً مؤثرا فى تشكيل المشهد الاقتصادى العالمى وانعكاساته على الاقتصاد المصري، وأوضح أن الحرب الدائرة مع إيران تمثل عاملاً اقتصادياً ضاغطاً على الأسواق العالمية مشيراً إلى أن مثل هذه الصراعات تؤدى عادة إلى اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع أسعار النفط والغاز.
وتابع قائلًا: «إن سعر برميل البترول قد يصل إلى نحو 150 دولارا بعدما كان فى حدود 70 دولارا فقط فى بداية الأزمة، وهو ما يعكس حجم التقلبات التى تشهدها أسواق الطاقة العالمية وارتفاع أسعار الطاقة ينعكس بشكل مباشر على تكلفة الإنتاج فى مختلف القطاعات فتعتمد العديد من الصناعات على الغاز والكهرباء والبترول والنقل فى تشغيل خطوط الإنتاج وتوزيع السلع، ومع زيادة تكلفة مستلزمات الإنتاج ترتفع بدورها أسعار السلع والمنتجات النهائية التى تصل إلى المستهلك مما يخلق موجة تضخمية يشعر بها المواطن فى حياته اليومية..
وأشار عبده إلى أن التوترات الإقليمية لا تؤثر فقط على أسعار الطاقة، بل تمتد آثارها إلى قطاعات اقتصادية أخرى مهمة، من بينها قطاع السياحة الذى يمثل أحد المصادر الرئيسية للعملات الأجنبية فى مصر، فمع تصاعد التوترات والحروب فى المنطقة تتراجع حركة السياحة الدولية نتيجة مخاوف السفر وعدم الاستقرار الإقليمى فيصعب التحرك بين الدول، وهو ما يؤدى إلى انخفاض التدفقات الدولارية القادمة من هذا القطاع الحيوي.
وأوضح أن تراجع إيرادات السياحة يؤدى بدوره إلى ضغط على موارد النقد الأجنبي، وقد يخلق فجوة فى العملة الصعبة اللازمة لتغطية احتياجات الاستيراد من السلع الاستراتيجية ومستلزمات الإنتاج ويؤدى ذلك إلى ارتفاع تكلفة الاستيراد خاصة مع زيادة سعر الدولار فى البنوك، مضيفًا أن هذه العوامل مجتمعة تسهم فى زيادة تكلفة المنتج النهائى سواء تم تصنيعه محلياً أو استيراده من الخارج، وهو ما يدفع بعض الشركات والمنتجين إلى تحميل جزء من هذه التكلفة الإضافية على المستهلك، الأمر الذى ينعكس فى النهاية على مستويات الأسعار داخل السوق المحلية ويؤدى إلى ارتفاع معدلات التضخم.
وأوضح أن حالة القلق وعدم اليقين التى تفرضها الأزمات الإقليمية قد تؤثر أيضاً على حركة الاستثمار فى الأسواق المالية، حيث تتأثر البورصات العالمية والإقليمية بحالة التوتر، وقد يلجأ بعض المستثمرين الأجانب إلى سحب استثماراتهم قصيرة الأجل أو ما يعرف بالأموال الساخنة وهو ما يضغط بدوره على الأسواق المالية والعملة المحلية.
إدارة الأزمات الاقتصادية
وأكد الخبير الاقتصادي، أن الدولة المصرية لم تنتظر وقوع الأزمات فقط ولكنها اتجهت إلى الاعتماد على الدراسات المستقبلية وذلك سلوك اقتصادى أكاديمي، فهذه الدراسات تقوم على تحليل المعطيات السياسية والاقتصادية على الساحة الدولية من أجل توقع الأزمات قبل وقوعها والاستعداد لها مبكراً.
وأشار إلى أن التحركات العسكرية الدولية فى المنطقة خلال الفترة الماضية، كانت مؤشرات مبكرة على احتمال تصاعد التوترات وهو ما دفع الحكومة إلى اتخاذ إجراءات احترازية من بينها زيادة المخزون الاستراتيجى من السلع الغذائية الأساسية والأدوية تحسباً لأى اضطرابات قد تؤثر على سلاسل الإمداد العالمية أو حركة التجارة. . وأوضح أن هذه السياسات الاستباقية تهدف إلى حماية السوق المحلية من الصدمات المفاجئة وضمان استمرار توافر السلع الأساسية للمواطنين حتى فى أوقات الأزمات الدولية.
ولفت إلى أن إدارة الأزمات الاقتصادية تعتمد أيضاً على ما يعرف بخلية الأزمة وهى مجموعة من الخبراء والمسؤولين الذين يتابعون تطورات الأوضاع الاقتصادية والسياسية لحظة بلحظة، ويقدمون للحكومة تحليلات وتوصيات مستمرة تساعد على اتخاذ القرارات المناسبة فى الوقت المناسب، إذ أن فترات الحروب والصراعات الدولية تصنف فى علم الاقتصاد ضمن الفترات الاستثنائية أو ما يسمى بحالات عدم اليقين حيث تصبح المؤشرات الاقتصادية أكثر تقلباً وتقل القدرة على التنبؤ الدقيق بالمتغيرات، ولذلك تعتمد الحكومات فى هذه الفترات على سياسات مرنة وسريعة الاستجابة للتعامل مع المستجدات.
وأضاف أن الحكومة فى بعض الأحيان تتحمل جزءاً من فروق التكاليف الناتجة عن ارتفاع الأسعار العالمية إما من خلال دعم بعض السلع الأساسية أو توفيرها عبر المنافذ الحكومية بأسعار مخفضة، وذلك بهدف تخفيف الأعباء عن المواطنين والحد من تأثير موجات التضخم على مستوى المعيشة.

من العشوائية إلى التطوير| «التونسى».. سوق عصرى بـ «استايل موحد»
«إعادة توظيف ثقافى وسياحى» على غرار العديد من الدول العربية والإسلامية
نصيب المصريين من المقامرات العالمية 1,7 مليار دولار!







