رمضانُ شهر العملِ والإنتاجِ والإعمارِ والبناءِ والانتصارات

د.عبد الحليم كرسون
د.عبد الحليم كرسون



لا شكَّ أنَّ العملَ من أعظمِ القيمِ التي يقومُ عليها عمرانُ الحياةِ الإنسانيَّةِ واستقامةُ المجتمعات. ومفهومُ العملِ هو: كلُّ فعلٍ يفعله الإنسانُ فيُسمَّى عملًا، أو هو كلُّ أمرٍ مباحٍ يعودُ بالنَّفعِ على الإنسان. وإذا أُضيفَ إلى ذلك الكسبُ والإنتاجُ أصبح العملُ أداةً ووسيلةً لتأمينِ احتياجاتِ الإنسانِ الأساسيَّةِ وغيرِ الأساسيَّة.

وللعملِ أهميَّةٌ كبيرةٌ في حفظِ النَّوعِ البشريِّ؛ فهو أساسُ العمران، كما أنَّه سببٌ في صيانةِ المجتمعِ من الجهلِ والفقرِ والمرض، إضافةً إلى سدِّ احتياجاتِ الإنسانِ الأساسيَّةِ وغيرِ الأساسيَّة، كما يحفظُ كرامةَ الإنسانِ من الذلِّ والمهانةِ بسببِ السُّؤالِ والتسوُّل.
وقد دلَّ على أهميَّةِ العملِ القرآنُ الكريمُ والسُّنَّةُ النبويَّةُ الشَّريفةُ في نصوصٍ كثيرة. ففي القرآنِ الكريمِ قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ، وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا، وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ، وَعَمِلَ صَالِحًا، وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33].

أمَّا في السُّنَّةِ النبويَّةِ الشريفة، فقد روى البخاريُّ في صحيحه أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إن قامتِ السَّاعةُ وفي يدِ أحدِكم فسيلةٌ، فإن استطاعَ أن لا تقومَ حتى يغرسَها فليغرسها». وقال ﷺ: «ما أكلَ أحدٌ طعامًا قطُّ خيرًا من أن يأكلَ من عملِ يدِه، وإنَّ نبيَّ اللهِ داودَ كان يأكلُ من عملِ يدِه» (رواه البخاري). وقال ﷺ: «أفضلُ الصَّدقةِ ما كان عن ظهرِ غنًى، واليدُ العُليا خيرٌ من اليدِ السُّفلى، وابدأْ بمن تعول» (رواه البخاري).

فكلُّ هذه الآياتِ والأحاديثِ تحثُّ على العملِ والكسبِ والإنتاج. وقد مهَّدَ اللهُ عزَّ وجلَّ للإنسانِ الأرضَ ليمشي فيها ويأكلَ من خيراتِها بعد أن يعملَ وينتج؛ فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا، فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا، وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15].
ولأهميَّةِ العملِ الصالحِ جعلَه اللهُ عزَّ وجلَّ شرطًا لقبولِ الأعمال. فمن شروطِ قبولِ العمل أن يكون عملًا صالحًا، وليس أيَّ عملٍ؛ فالعملُ السيِّئُ والفاحشُ غيرُ مقبولٍ، بل إنَّ اللهَ تعالى يذمُّ صاحبَه. ولذلك قرنَ اللهُ سبحانه بين الإيمانِ والعملِ الصالحِ في أكثرَ من خمسينَ آيةً في القرآنِ الكريم؛ ليتَّضح أنَّهما ركيزتانِ للحياةِ الطيِّبةِ في الدنيا والآخرة.

قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: 30]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف: 107]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: 8].

وعليه، فإذا فقد العملُ صلاحَه جعلَه اللهُ هباءً لا قيمةَ له؛ قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ، فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: 23].
كما لا بدَّ أن يكون العملُ خاليًا من الرِّياءِ والسُّمعة؛ لأنَّ الرِّياءَ يُبطِلُ أشرفَ الأعمال. وقد قال النبيُّ ﷺ: «إنَّ أوَّلَ الناسِ يُقضى يومَ القيامةِ عليه رجلٌ استُشهد…» وذكر الحديثَ الطويلَ الذي بيَّن فيه أنَّ من قاتلَ ليُقالَ جريءٌ، أو تعلَّم العلمَ ليُقالَ عالمٌ، أو أنفقَ ليُقالَ جوادٌ؛ فإنَّ عملَه لا يكونُ خالصًا لله تعالى (رواه مسلم).

وفي تحليلِ الآياتِ الواردةِ في القرآنِ الكريمِ عن العمل، نجد أنَّ كلمةَ العمل وردت في القرآنِ الكريم أكثرَ من ثلاثمائةٍ وخمسينَ مرَّةً، في اثنين وأربعين اشتقاقًا؛ حيث وردت بصيغةِ الفعلِ الماضي نحو: عمل، وبصيغةِ المضارع نحو: يعملون، وبصيغةِ الأمر، كما وردت بصيغةِ الاسم، وبصيغةِ اسمِ الفاعل.
وهناك ألفاظٌ ذاتُ صلةٍ بالعمل وردت في القرآنِ الكريم، منها:
1.    الفعل: وهو إحداثُ شيءٍ من عملٍ أو غيره، وقد ورد في مواضعَ كثيرةٍ من القرآن.
2.    الصُّنع: وهو كلُّ عملٍ يمارسه الإنسان بعد تمكُّنٍ فيه وإتقان.
3.    السَّعي: وهو كلُّ عملٍ من خيرٍ أو شرٍّ، قال تعالى: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه: 15].
4.    الشُّغل: قال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس: 55].
5.    الكَدْح: وهو العملُ المصحوبُ بالتعبِ والمشقَّة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ، إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: 6].

وعليه، فما علاقةُ العملِ برمضانَ والصيام؟
إنَّ العملَ يتخلَّل أجزاءَ عمرِ الإنسانِ التي يجبُ استثمارُها، والإنسانُ مسؤولٌ عن هذه الأوقات. ولم يرد عن النبيِّ ﷺ أنَّه ترك العملَ هو وأصحابُه لأجل العبادةِ في رمضانَ أو غيرِه، بل كانوا يجمعون بين العبادةِ والعملِ في توازنٍ وانسجام.
وقد ربط النبيُّ ﷺ بين العملِ ورفعه إلى الله وبين الصيام؛ فعن أسامةَ بنِ زيدٍ رضي الله عنه قال: قلتُ: يا رسولَ الله، لم أرَك تصومُ من شهرٍ من الشهور ما تصومُ من شعبان؟ قال: «ذاك شهرٌ يغفلُ الناسُ عنه بين رجبَ ورمضان، وهو شهرٌ تُرفعُ فيه الأعمالُ إلى ربِّ العالمين، وأحبُّ أن يُرفعَ عملي وأنا صائم» (رواه النسائي).

كما أنَّ التاريخَ الإسلاميَّ يشهدُ أنَّ رمضانَ كان عند نبينا الكريم ﷺ وصحابتِه شهرَ العملِ والإنتاجِ والجهاد، فقد كانت أعظمُ الانتصاراتِ للمسلمين في رمضان، وكأنَّ اللهَ تعالى اختاره ليكون زمانًا للأحداثِ التي غيَّرت مسارَ التاريخ. ومن ذلك:
•    في رمضان سنة 2هـ كانت غزوة بدر الكبرى.
•    وفي رمضان سنة 8هـ كان فتح مكة.
•    وفي رمضان سنة 92هـ كان فتح الأندلس بقيادة طارق بن زياد.
•    وفي رمضان سنة 658هـ كان انتصار المسلمين في عين جالوت على التتار.
•    وفي العاشر من رمضان سنة 1393هـ كان نصر أكتوبر واستعادة جزءٍ كبيرٍ من سيناء.

وقد تعوَّذ النبيُّ ﷺ من العجزِ والكسل، فقال: «اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بك من الهمِّ والحزن، والعجزِ والكسل، والجبنِ والبخل، وضلعِ الدَّين، وغلبةِ الرجال» (رواه البخاري).
فكيف يليقُ بالمسلم أن يستسلمَ للكسل في عبادةٍ كبرى وركنٍ من أركانِ الإسلام، وهو الصيامُ في رمضان؟

إنَّ الصيامَ منهجٌ متكاملٌ يجمعُ بين العبادةِ والعملِ والإنتاج، لا بين الكسلِ والخمول؛ فاللهُ تعالى لم يوجِّه خطابَه لأمَّةٍ كسولةٍ، بل لأمَّةِ عملٍ وإنتاج.
وقد بشَّر اللهُ عباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات بالجنَّة، فقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: 25].
كما ربط اللهُ بين العملِ والنجاحِ في الحياة، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].
وربط كذلك بين العملِ والجزاءِ في الآخرة؛ فقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا، وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: 31].

وقد أحاط اللهُ بأعمالِ الخلقِ كلِّها، ومنها الصيام؛ ليكون تدريبًا على مقامِ المراقبة، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ، وَلَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ، إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: 61].

وهذا هو مقام الإحسان؛ إذ يعلم الإنسان أنَّ اللهَ يرى عملَه ويعلمُ سرَّه وعلانيته، فيتحرَّى الأمانةَ والإتقانَ في عمله؛ ليضاعفَ اللهُ له الأجرَ والثواب.
ولهذا ينبغي أن يؤدِّي الإنسانُ عملَه في رمضانَ وغيرِه بإخلاص؛ فالعملُ رسالةٌ وعبادة. واعلم أنَّ اللهَ مطَّلعٌ عليك في أدقِّ تفاصيل عملك، كما هو مطَّلعٌ على إمساكك عن الطعامِ والشراب في الصيام.
فالصيامُ يوقظُ الضمير؛ لأنَّه عبادةٌ سرِّيَّةٌ بين العبد وربِّه، والضميرُ هو ذلك الصوتُ الداخليُّ الذي يحكمُ على الأفعالِ والتصرُّفات، فيقودُ الإنسانَ إلى فعلِ الصالحات. وهكذا يعيد الصيامُ صياغةَ الضميرِ المهنيِّ؛ ليصبح الضميرُ هو الرقيب، والتقوى هي الميزان.
ومن هنا فإنَّ الموظَّفَ الذي يُضيِّعُ أوقاتَ الناس في وقت العمل قد فرَّط في أمانةِ عمله؛ لأنَّ العبادةَ البدنيَّةَ ينبغي أن تُكمِّلَ العبادةَ الأخلاقيَّة.
ولذلك لا بدَّ من الإتقانِ والإخلاص، فقد قال النبيُّ ﷺ: «إنَّ اللهَ تعالى يحبُّ إذا عملَ أحدُكم عملًا أن يتقنَه» (رواه البيهقي).

فالأمة الكسولة تأكل وتشرب أكثرَ مما تنتجُ، ونتام أكثر مما تستيقظ، وتستهلك أكثرَ مما تدخر، وتقلدُ أكثرَ مما تُبدع وتبتكر، ومن ثم تعتمد على الآخرين فتتخلف وتتأخر، وتصير يد الآخرين هى اليد العليا عليها، ثم تضعف وتضمر وتنتهى.
إنَّ التاريخَ الإسلاميَّ يصرخُ فينا ويقول: إنَّ رمضانَ كان دائمًا وقتَ الانتصاراتِ والإنجازاتِ الكبرى؛ فاجعلوه كما كان.
ولذلك فإنَّني أوصي بميثاقٍ أخلاقيٍّ لكلِّ صائم، يلتزمُ فيه بأن يكون رمضانُ شهرَ الجمالِ المهنيِّ، والإخلاصِ، والإتقانِ في العمل.

فلنجدِّد العهدَ مع الله تعالى ليكون رمضانُ شهرَ العملِ والإنتاج، وليعودَ من جديدٍ شهرَ الانتصارات.
كما أنَّ التعبَ في سبيلِ الأمانةِ والعملِ الصالح عرقٌ يغسلُ الذنوبَ والآثام. وقد ورد عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «إنَّ من الذنوبِ ذنوبًا لا تُكفِّرها الصلاةُ ولا الصيامُ ولا الحجُّ ولا العمرة». قيل: فما يُكفِّرها يا رسولَ الله؟ قال: «الهمومُ في طلبِ المعيشة» (رواه الطبراني عن أبي هريرة).