فى صباح يوم مشمس على ضفاف قناة السويس، حيث اختلط البارود بتراب الأرض المقدسة، وقف الفريق عبد المنعم رياض رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية «الجنرال الذهبى» وسط جنوده .. كان اليوم 9 مارس عام 1969، من أثقل أيام حرب الاستنزاف الطاحنة.. لم يكن يومًا عاديًا، فقد كان الفريق رياض يقوم بتفقد مواقع الجيش المصرى على الضفة الغربية للقناة، ليتأكد من جاهزية قواته للقتال، وكذلك رفع الروح المعنوية للجنود.
اقرأ أيضًا | حين تكون الشهادة نجاة وطن وحياة للمصريين
كان الفريق رياض رجلاً لا يعرف الخوف، قائدًا يتقدم الصفوف لا يقف خلفها. ارتدى زيه العسكرى البسيط، ووقف فى الموقع الأمامى، يراقب تحركات المدفعية، يصدر الأوامر بهدوء وكأنه الهدوء الذى يسبق العاصفة.
فجأة، انهالت نيران المدفعية الإسرائيلية كالمطر الغزير. كان رئيس أركان الجيش المصرى فى قلب المعركة، حتى سقطت قذيفة قريبة من موقعه وانفجرت الشظايا القاتلة، وسال الدم الطاهر على أرض مصر، وفارق الحياة متأثرًا بجراحه، لكنه فى الحقيقة لم يمت.. بل تحول إلى رمز خالد.
رحل الفريق عبد المنعم رياض، لكنه سلم الراية بيديه إلى قادة أبطال عظام، أكملوا المشوار بدمائهم وأرواحهم. كان أولهم العميد إبراهيم الرفاعى، أسطورة الصاعقة المصرية، الذى لم يمهل العدو وقتًا للفرح باستشهاد رئيس الأركان.
فى رد فعل سريع أمر به الرئيس جمال عبد الناصر، عبر الرفاعى القناة مع رجاله، واحتل موقع المعدية رقم 6 «الموقع الذى أطلقت منه القذيفة القاتلة» وأباد من فيه من جنود العدو، ورفع العلم المصرى فوق الحطام. كان ذلك الرد الأول، رسالة واضحة من الجيش المصرى بأن دم الفريق رياض لن يذهب هدرًا، والراية لن تسقط أبدًا.
ثم توالت مسيرة الشهداء كالسيل الجارف. جاء من بعده أبطال حرب أكتوبر العظيمة، الذين حققوا النصر المجيد فى 1973، وأعادوا لمصر كرامتها وأرضها.
ولم تنتهِ القائمة، فالشهداء استمروا يتقدمون من الفريق رياض، للبطل الرفاعى حتى يومنا هذا .. بالأمس القريب استشهد البطل أحمد منسى الذى سطر ملحمة فى سيناء، إلى خالد مغربى «دبابة» ورفاقه الذين ضحوا بأرواحهم فى معارك الشرف والكرامة، وصولاً إلى كل شهيد سقط دفاعًا عن تراب الوطن فى سيناء أو الحدود أو أى بقعة من أرض مصر.
فى يوم الشهيد، 9 مارس من كل عام، تتوقف مصر بأكملها لتتذكر تضحيات الأبطال، الذين قدموا أرواحهم فداءً للوطن، ونروى قصص شهدائنا التى لا تنتهى.. فهى ليست مجرد ذكرى، بل وعد متجدد بأن الشهيد حى فى وجدان الشعب المصرى، والأجيال الجديدة يجب أن تعرف التضحيات التى قدمها شهداء الوطن حتى يعيشوا فى سلام وأمان.
الشهداء ليسوا موتى.. فهم أحياءٌ عند ربهم يُرزقون، وفى قلوبنا يعيشون.. هم الذين يذكّروننا دائمًا أن الحرية ثمنها باهظ، لكنها تستحق. من عبد المنعم رياض الذى سلم الراية بشهادته، إلى كل من حملها بعده ورووها بدمائهم، مروراً بإبراهيم الرفاعى والأمس القريب المنسى وخالد مغربى وغيرهم من الأبطال الذين لا يحصون.. فكلهم شهداء مصر الأبرار.
رحم الله شهداءنا، وأسكنهم فسيح جناته، وجعل دماءهم نورًا يضىء درب الأجيال القادمة.. فمصر باقية بأبنائها، وستظل تقدم أولادها فداءً للأرض والعرض، حتى تبقى شامخة عزيزة أبد الدهر.

من العشوائية إلى التطوير| «التونسى».. سوق عصرى بـ «استايل موحد»
«إعادة توظيف ثقافى وسياحى» على غرار العديد من الدول العربية والإسلامية
نصيب المصريين من المقامرات العالمية 1,7 مليار دولار!







