الأمراض الوراثية من أخطر التحديات الصحية التى قد تواجه الأطفال فى سنواتهم الأولى، خاصة حينما يتم اكتشاف المرض بعد فوات الأوان، وما يترتب عليه من مضاعفات قد تؤثر على النمو العقلى أو الجسدى، وتؤدى فى بعض الحالات إلى إعاقات دائمة أو حتى الوفاة.. ورغم أن بعض هذه الأمراض لا تظهر أعراضها بشكل مباشر بعد الولادة، إلا أن الكشف المبكر عنها يمثل طوق نجاة حقيقيًا، يجنب الطفل وعائلته معاناة صحية ونفسية طويلة الأمد.. ومن هنا جاءت المبادرة الرئاسية للكشف عن الأمراض الوراثية لحديثى الولادة، لتكون خطوة سبّاقة ضمن جهود الدولة للارتقاء بالصحة العامة، حيث تهدف إلى رصد عدد من الأمراض الوراثية الخطيرة فور الولادة، وتقديم الرعاية الصحية المجانية للحالات المصابة.. وفى هذا الملف، تسلط «الأخبار» الضوء على هذه القضية المهمة، مستعينةً بآراء عدد من الأطباء والمتخصصين الذين يوضحون أبرز الأمراض الوراثية التى تصيب الأطفال، وأسبابها، وكيفية الوقاية منها وعلاجها، إلى جانب استعراض دور المبادرة الرئاسية فى حماية الأجيال القادمة وخلق جيل صحى وسليم.

اقرأ أيضًا | قومي البحوث يدعم مبادرة الكشف المبكر عن الأمراض الوراثية لحديثي الولادة

تسعى الدولة دائمًا لحماية صحة الأجيال الجديدة، ولذا أطلقت وزارة الصحة والسكان مبادرة رئاسية شاملة تستهدف الكشف المبكر عن الأمراض الوراثية لدى حديثى الولادة، فى خطوة غير مسبوقة للحد من الإعاقات ومعدلات الوفيات بين الأطفال، من خلال الفحص المبكر والعلاج المجانى بما يضمن إنقاذ آلاف الأطفال من مستقبل مجهول.
يقول د. محمد عبد الحميد، منسق مبادرة الكشف المبكر عن الأمراض الوراثية لحديثى الولادة، إن المبادرة تستهدف فحص جميع المواليد المبتسرين المحجوزين بوحدات الرعاية الحرجة فى مستشفيات الجمهورية، وذلك للكشف المبكر عن 19 مرضًا وراثيًا بداية من اليوم الثالث بعد الولادة، موضحاً أن هذه الخطوة تمثل نقطة تحول فى رعاية الأطفال حديثى الولادة، لأن أغلب هذه الأمراض قد لا تُكتشف إلا بعد حدوث مضاعفات خطيرة، مما يجعل التدخل المبكر ضرورة ملحة.. ويشير إلى أن آلية الكشف تعتمد على أخذ عينة دم صغيرة من كعب الطفل، ثم يتم إرسالها إلى معامل المركز المصرى للتحكم والسيطرة على الأمراض، والذى تم تجهيزه بأحدث الأجهزة العالمية المتخصصة فى تشخيص الأمراض الوراثية بدقة وسرعة.
19 مرضًا وراثيًا
وتشمل قائمة الأمراض التى يجرى الفحص عنها مجموعة من الاضطرابات الخطيرة مثل قصور الغدة الدرقية الخلقى، تضخم الغدة الكظرية الخلقى، أنيميا الفول، التليف الكيسى، الفينيل كيتونيوريا، ونقص رباعى هيدروبيوبترين، إلى جانب أمراض نادرة مثل البول القيقبي، وارتفاع حمض البروبيونيك، ونقص إنزيم البيوتينيداز، وغيرها من الأمراض التى تؤثر بشكل مباشر على النمو الجسدى والعقلى للأطفال إذا لم تُعالج فى الوقت المناسب.
ويضيف عبد الحميد أن المبادرة نجحت حتى الآن فى فحص أكثر من 620 ألف طفل حديث الولادة، وتم اكتشاف أكثر من 4400 حالة إصابة بالفعل، حيث جرى التدخل العلاجى الفورى لهم مجانًا، وفقًا لبروتوكولات طبية معتمدة من اللجنة العلمية المشرفة على المبادرة، مؤكداً أن كل طفل تثبت إصابته يُحال فورًا لإجراء اختبارات تأكيدية، ثم يبدأ العلاج اللازم فى أحد مراكز العلاج المتخصصة.
خطة للتوسع
ويتابع أن الوزارة خصصت حتى الآن 56 مركزًا لعلاج الأمراض الوراثية، بالتعاون مع المجلس الأعلى للمستشفيات الجامعية، مع خطة للتوسع لتغطية جميع محافظات الجمهورية خلال الفترة المقبلة، ولفت إلى أن هذه المراكز تقدم العلاج والمتابعة الدورية للأطفال المصابين بشكل مجانى تمامًا، لضمان استمرار تعافيهم وتمكينهم من ممارسة حياتهم بشكل طبيعى، منوهاً إلى أن المبادرة لا تقتصر على المستشفيات الحكومية فقط، بل تشمل وحدات الرعاية الحرجة للمبتسرين فى مستشفيات التأمين الصحى، والمستشفيات التعليمية، والمراكز الطبية المتخصصة، والمستشفيات الجامعية، وهو ما يضمن شمولية المبادرة ووصولها إلى كافة الفئات.
ويوضح أن المرحلة الثانية من المبادرة ستتضمن التوسع فى فحص كافة الأطفال حديثى الولادة فى جميع الوحدات الصحية على مستوى الجمهورية، وليس فقط المبتسرين، على أن يتم لاحقًا إضافة أمراض جديدة إلى قائمة الفحص، بناءً على نتائج المسح الصحى الجارى تنفيذه لمعرفة نسب انتشار الأمراض الوراثية بين الأطفال فى مصر.
ويؤكد أن المبادرة لا تكتفى بالفحص والعلاج فقط، بل تهتم كذلك برفع الوعى المجتمعى من خلال الحملات التوعوية عبر صفحات وزارة الصحة ومبادرة «100 مليون صحة»، فضلًا عن تقديم الدعم النفسى للأسر، وتوفير المشورة الوراثية لمنع تكرار الإصابة داخل نفس العائلة، وتوفير الألبان العلاجية الخاصة بكل مرض، وكذلك الإحالة لإجراء الفحوصات الجينية المتقدمة عند الحاجة، كما توفر المبادرة دعمًا غذائيًا من خلال مطبخ تعليمى خاص ومتابعة تغذوية منتظمة للأطفال المصابين، لضمان تلبية احتياجاتهم الصحية بشكل شامل.
واختتم د. محمد عبد الحميد حديثه، مؤكدًا أن هذه المبادرة تمثل أملًا حقيقيًا فى حياة آلاف الأسر المصرية، وتعد أحد أهم إنجازات الدولة فى مجال الصحة العامة، داعيًا جميع أولياء الأمور إلى الالتزام بالفحص وعدم التردد فى طلب المشورة الطبية بمجرد ولادة الطفل.
«كفاية» زواج الأقارب
رغم التحذيرات الطبية المتكررة، لا يزال زواج الأقارب منتشرًا فى كثير من المجتمعات، باعتباره عرفًا اجتماعيًا قديمًا لا يُمس، لكن خلف هذا التقليد الموروث، تختبئ احتمالات مرتفعة لإصابة الأطفال بأمراض وراثية خطيرة، قد لا تظهر أعراضها فورًا، بل تتسلل فى صمت لتؤثر على حياة الطفل بالكامل ومع تزايد حالات الإصابة، يتجدد النداء من الأطباء والباحثين: «كفاية زواج أقارب»، فى محاولة لوقف دوامة الخطر التى يمكن تفاديها بالتوعية والتشخيص المبكر.. يؤكد د. هشام فايق، عميد معهد الوراثة البشرية وأبحاث الجينوم بالمركز القومى للبحوث، أن نسبة زواج الأقارب ما زالت مرتفعة بشكل مقلق فى بعض المناطق الريفية وصعيد مصر وبين قبائل البدو، مشيرًا إلى أن بعض الإحصائيات تشير إلى أن النسبة قد تتجاوز 70% فى هذه المناطق، وهذا يعنى زيادة احتمالية انتقال الصفات الوراثية المتنحية من الأب والأم إلى الأبناء، ما قد يؤدى إلى إصابة الطفل بإعاقات ذهنية أو حركية يصعب علاجها، ويترتب عليها أعباء نفسية واقتصادية ضخمة على الأسرة والمجتمع والدولة.
إجراءات ضرورية
ويشدد على ضرورة الحد من زواج الأقارب قدر الإمكان، ولكن فى حال حدوثه، فهناك عدد من الإجراءات الطبية الوقائية التى يجب اتباعها، مثل إجراء الفحوصات الوراثية قبل الزواج، متابعة الحمل بشكل دورى، استخدام تقنيات الإخصاب المساعد وطفل الأنابيب لاختيار الأجنة السليمة وراثيًا، مشيراً إلى أن المشكلات الوراثية لا تقتصر فقط على زواج الأقارب، بل قد تظهر أيضًا فى حالات الزواج العادي، لذلك شدد على أهمية إجراء فحوصات شاملة للمقبلين على الزواج عمومًا، باعتبار أن تكلفة علاج الأمراض الوراثية تُعد باهظة، وتُكلف الدولة مليارات الجنيهات سنويًا.
لا تزال التحديات الصحية المرتبطة بالأمراض الوراثية وذوى الاحتياجات الخاصة تمثل هاجسًا عالميًا متزايدًا، خاصة مع تزايد نسب الإصابة بين الأطفال، ورغم الجهود الطبية المبذولة، تشير الأرقام إلى واقع مقلق يتطلب تدخلًا علميًا عاجلًا، ليس فقط من أجل التشخيص والعلاج، بل للوقاية أيضًا.
وفى هذا السياق، تؤكد د. نجوى عبد المجيد، أستاذ الوراثة والاحتياجات الخاصة بالمركز القومى للبحوث، أن نسبة الأطفال ذوى الاحتياجات الخاصة على مستوى العالم أصبحت تمثل نحو 10% من المجتمع، وهى نسبة مرتفعة تستدعى القلق والتدخل العلمى والطبى، لافتة إلى أن هذه الأمراض تنقسم إلى فئات مختلفة، من بينها ما يرتبط بالعلاج الغذائى وأخرى ناتجة عن الخلل الجينى.. وتشير إلى أنه يتم العمل حاليًا على بناء قاعدة جينية جزيئية لتتبع بعض الأمراض مثل التوحد، وفرط الحركة، ونقص الانتباه، وهشاشة إكس، وصعوبات التعلم، حيث يتم تسجيل العديد من الحالات، ومقارنة المشكلات الصحية ببعضها البعض، ثم نشر هذه النتائج بهدف بناء قاعدة بيانات تسهم فى تحديد أسباب الأمراض، وبالتالى إمكانية التدخل المبكر والعلاج.. وتضيف: إن هناك أمراضًا وراثية يمكن منع حدوثها، مثل أمراض الخلل فى الأحماض الأمينية، بينما هناك أمراض أخرى تحتاج إلى متابعة غذائية دقيقة وتدخل غذائى متخصص، وهو ما يمكن أن يُحدث فرقًا واضحًا فى حالات التوحد وبعض السلوكيات المرتبطة به، نظرًا لأن التوحد يعد مرضًا «وراثيًا بيئيًا» يتأثر بالعوامل الخارجية، كما أشارت إلى الاضطرابات اللغوية وعلاقتها بالجينات، موضحة أنه بمجرد تحديد الجين المسؤول عنها، يمكن إعداد برامج تدريبية للأمهات والأطفال لمساعدتهم على تجاوز المراحل الصعبة، كحالات عدم القدرة على الحديث أو التعبير، مما قد يؤدى إلى العزلة والانطواء.
الغذاء يعالج الأمراض
وتشدد على أهمية الغذاء ودوره فى علاج بعض الأمراض، موضحة أن بعض الأطعمة تسبب زيادة فى حالة التأكسد داخل الجسم، ما يزيد الضغط على المخ ويؤثر سلبيًا خاصة عند الأطفال، كما حذرت من الأطعمة التى تُحدث حساسية مثل اللبن، بسبب مادة «الكازين» الموجودة فيه، والتى تشكل ضرراً بشكل خاص لأطفال التوحد.
ونتيجة لذلك، تم التوصل إلى طريقة جديدة لنزع هذه المادة من اللبن، مع إضافة بروتينات، وأحماض أمينية، وأوميجا 3، وقد حصل هذا المشروع على براءة اختراع من أكاديمية البحث العلمي، وحقق نتائج إيجابية جدًا على مستوى اللغة والسلوك لدى الأطفال، بالإضافة إلى أنه ساهم فى تقليل الاعتماد على المنتجات المستوردة، مما وفر عملة صعبة.
خطر التلوث البيئي
كما تناولت عبد المجيد الجهود البحثية لمواجهة خطر التلوث البيئى والكيماويات الناشئة، والتى لم تكن موجودة سابقًا، مثل المعطرات والمبيدات الزراعية، والبلاستيك، الذى أصبح استخدامه واسعًا جدًا خاصة بعد جائحة كورونا، منوهة إلى أن مادة «البيسفينول» الموجودة فى البلاستيك تؤثر سلبًا على المخ والجهاز العصبي، وتسبب خللاً فى الجهاز المناعي، مما قد يؤدى إلى أمراض مثل التوحد، والزهايمر، وأمراض عصبية أخرى، خصوصًا للأطفال الذين يحملون الجينات الوراثية المرتبطة بهذه الأمراض، موضحة أن زيادة استخدام أدوات المائدة البلاستيكية بعد الجائحة بغرض الوقاية من العدوى ساهمت فى ارتفاع نسبة التوحد عالميًا، حيث ارتفعت النسبة من 1:100 فى عام 2019 إلى 1:33 حاليًا، وتؤكد أيضًا أن التوحد يعد من الأمراض الوراثية المكتسبة، إذ إن العوامل البيئية والغذائية قد تُفعل الجينات الصامتة، ومن أبرز هذه العوامل الاستخدام المفرط للمضادات الحيوية، الذى قد يؤدى إلى ظهور سلوكيات شبيهة بالتوحد.
كما تسلط الضوء على مرض «هشاشة إكس»، مؤكدة أنه مرض وراثى بنسبة 100%، يُشبه فى أعراضه مرض التوحد، لكنه يصيب الذكور فقط، ويبدأ فى الظهور عادة فى سن 6 سنوات، وبينت أن جميع الذكور من الأم الحاملة لهذا الجين قد يصابون به فى كل جيل، مما يستدعى ضرورة التوعية المجتمعية بهذا المرض، وشددت على أهمية الكشف المبكر، حيث أصبح له علاج، ويمكن منعه خلال فترة الحمل والمتابعة الطبية الدقيقة.
وتوضح أن «هشاشة إكس» يُعرف بهذا الاسم لأنه ينتقل عبر كروموسوم X الخاص بالذكور، ويكتشف عن طريق تحليل الحمض النووى DNA، ويتم بعدها إخضاع الأم والطفل لبرامج علاجية متكاملة تشمل العلاج الطبى والنفسى والتوعية بالمرض.
صغر حجم الرأس من الأمراض الوراثية العصبية النادرة التى تؤثر على النمو الطبيعى للمخ، ما ينعكس بشكل مباشر على قدرات الطفل الذهنية والحركية، ورغم قلة الوعى حوله، إلا أن خطورته تكمن فى ارتباطه بعدة أسباب جينية، خاصة فى حالات زواج الأقارب، مما يجعل التشخيص المبكر ضرورة لا تحتمل التأجيل لضمان تدخل طبى مناسب قد يخفف من المضاعفات المستقبلية.
توضح د. غادة محمد الحسيني، أستاذ ورئيس قسم الوراثة الإكلينيكية بالمركز القومى للبحوث، أن الأمراض الوراثية العصبية من أكثر أنواع الأمراض الوراثية شيوعًا، ويأتى على رأسها صغر حجم الرأس والعيوب الخلقية بالمخ والقناة العصبية، مشيرة إلى أن صغر حجم الرأس ليس مرضًا واحدًا بل هو عرض ناتج عن مجموعة واسعة من الأسباب الوراثية والبيئية، ويُعد مؤشرًا على ضعف نمو المخ، حيث إن نمو الجمجمة يتبع نمو الدماغ وليس العكس، ويُشخص المرض بقياس محيط رأس الطفل ومقارنته بالمعدلات الطبيعية للنمو.. ويظهر صغر حجم الرأس إما منذ الولادة (خلقى)، أو يتطور لاحقًا فى الشهور الأولى من الحياة (مكتسب)، وفى الحالتين، يعانى الأطفال المصابون من تأخر فى النمو العقلى والحركى، وقد تصاحبهم تشنجات أو عيوب خلقية أخرى بالمخ.. وتُقسم الأسباب إلى وراثية مثل الطفرات الجينية، أو اضطرابات الكروموسومات، أو أمراض الميتوكوندريا، أو بيئية مثل نقص الأكسجين أثناء الحمل، أو التعرض للفيروسات، أو المخدرات، أو المواد الكيميائية الضارة، موضحة أن بعض هذه الحالات يمكن اكتشافها خلال الحمل باستخدام الأشعة التليفزيونية، خاصة فى الثلث الثانى والثالث من الحمل، كما يمكن تأكيد التشخيص بعد الولادة من خلال قياسات متكررة لمحيط الرأس ومقارنة تطورها الزمنى بالنمو الطبيعى.
تحسين جودة الحياة
كما تشدد على أهمية الرنين المغناطيسى للمخ، وفحوصات الجينات، وتحاليل الكروموسومات والإنزيمات لتحديد السبب بدقة، مؤكدة أنه لا يوجد علاج نهائى لصغر حجم الرأس، لكن يمكن تحسين جودة حياة الطفل من خلال التدخل المبكر، والعلاج الطبيعى، وتنمية المهارات، والتغذية العلاجية، مع بعض العلاجات الدوائية لحالات التشنجات أو التمثيل الغذائى، وأحيانًا تدخلات جراحية فى بعض الحالات الخاصة.

من العشوائية إلى التطوير| «التونسى».. سوق عصرى بـ «استايل موحد»
«إعادة توظيف ثقافى وسياحى» على غرار العديد من الدول العربية والإسلامية
نصيب المصريين من المقامرات العالمية 1,7 مليار دولار!







