وثائق إسرائيلية تكشف خيبة «الجيش الذى لا يقهر»

كتاب «انتصار أكتوبر فى الوثائق الإسرائيلية»
كتاب «انتصار أكتوبر فى الوثائق الإسرائيلية»


مائير: أنشأنا «أشياء خرافية» لضمان إنذار مسبق بالحرب قبل زلزال أكتوبر

«أجرانات» تكشف وثائق الهزيمة التى لا تغتفر للجيش الإسرائيلى

بالأرقام.. حجم طوق النجاة الأمريكى لإنقاذ تل أبيب من حافة الانهيار

لماذا لايزال مقص الرقيب الإسرائيلى يخفى المعلومات بعد 52 عاماً على الحرب؟

تلك السطور ليست مجرد سرد للأحداث، بل هى كنز وثائقى رفعت عنه السرية الإسرائيلية ويحتاج إلى قراءة متأنية للفهم.. الكتاب يضم محاضر التحقيقات مع جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل وغيرها من الأسماء الفاعلة خلال حرب أكتوبر.. جميعهم تم التحقيق معهم باعتبارهم المسئولين عن الهزيمة التى لحقت بالجيش الذى لا يقهر...

اقرأ أيضًا| «الجنائية الدولية» تدين قائدا سابقا فى «الجنجويد»

كتاب «انتصار أكتوبر فى الوثائق الإسرائيلية» إشراف ومراجعة ودراسة د. إبراهيم البحراوى وجهود نخبة من المترجمين من المركز القومى للترجمة صادر عام 2024، تكمن أهمية ما يقدمه الكتاب فى هذه الوثائق التى تقدم تشريحاً مُوثقاً لـ «الزلزال» الذى ضرب تل أبيب، كما أنها تفتح الباب أمام السؤال الأهم: كيف كانت إسرائيل عمياء إلى هذا الحد؟..

كل الشواهد كانت تؤكد أن الحرب قادمة لا محالة؛ من تحركات القوات على الجبهتين، مروراً بإخلاء الروس المفاجئ عشية العبور وصولاً إلى تقارير المخابرات والمعلومات التى تم تسريبها عن موعد بدء الحرب.

وهنا يأتى دور «إجرانات» وهى لجنة تحقيق رسمية إسرائيلية، انطلقت فى 21 نوفمبر 1973 بعد أسابيع قليلة من وقف إطلاق النار وترأسها شمعون إجرانات فى ذلك الوقت هو رئيس المحكمة العليا الإسرائيلية وهدفها كان التحقيق فى أوجه القصور والإخفاقات التى أدت إلى المفاجأة فى حرب أكتوبر، وكشف مسئولية القيادات العسكرية والسياسية عن حالة عدم الجاهزية.

أول ما يلحظه القارئ فى الوثائق هو اختفاء العديد من الأسطر والصفحات منها بفعل مقص الرقيب الأمنى الإسرائيلى وهو ما يثير تساؤلا مهما: ماذا تخفى تل أبيب رغم مرور 52 عاما على تلك الحرب ولماذا لم ترفع السرية عن معظم الوثائق؟

اقرأ أيضًا| من غزوة بدر حتى حرب أكتوبر.. أبرز أعظم 10 انتصارات في شهر رمضان 

لقد طرح د. إبراهيم البحراوى مترجم الكتاب عدة أسئلة منطقية فى مقدمته، مُشيراً إلى أن الرقابة كانت عملية انتقائية تهدف إلى تصفية المعلومات حتى فى نسخها المفرج عنها والهدف هو صيانة الصورة الذهنية وتقليل حجم الإهانة السياسية التى تُظهر أقصى درجات الذعر داخل القيادة الإسرائيلية، أو تُفصح عن الحجم الحقيقى للإذلال السياسى الذى شعرت به إسرائيل واستمرار الرقابة ليس دليلاً على وجود أسرار عسكرية، بقدر ما هو دليل على وجود حجم هائل من الإخفاق السياسى والمعنوى لم يزل النظام الإسرائيلى غير مستعد للكشف عن تفاصيله الكاملة.

أهمية الكتاب لا تنبع من كونه يقدم معلومات جديدة بل لأنه يعد مصدرًا أوليا لتوثيق الأحداث، مما يفند الادعاءات الإسرائيلية حول نتائج الحرب ويعمق فهمنا لأبعاد النصر العسكرى والاستراتيجى المصرى والسوري؛ كما أنها تتيح للباحثين وصناع القرار مادة خام ثمينة لفهم أعمق لآليات اتخاذ القرار والتخطيط الاستراتيجى للعدو، وبالتالى إثراء الوعى التاريخى والمعرفى للأجيال العربية التى لايزال بعضها يستقبل دعاوى التشكيك فى تلك الحرب.

شهادة مائير

فى شهادتها أمام لجنة أجرانات للتحقيق، بدأت جولدا مائير بتوضيح الآلية التى كانت تتلقى بها المعلومات الاستخباراتية. وأكدت أن مصدريها الرئيسيين كانا «الموساد» للموضوعات العامة و«الشاباك» للأمن الداخلي، بينما فى الشئون العسكرية، كان للعميد بسرائيل لينور سكرتيرها العسكرى حرية الوصول المباشر إليها فى أى وقت، حتى أثناء وجودها فى اجتماعات مهمة. كانت تمنح الأولوية للأمور العاجلة، فإما أن تطلب من الضيف المغادرة إذا كان مقربًا، أو تخرج مع لينور إلى غرفة أخرى إذا كان الضيف أجنبيًا. كانت تتلقى «المعلومات الخام» مباشرة إلى جانب تقارير الاستخبارات المصاغة «نشرات المخابرات» وفى الأيام التى سبقت الحرب والإشارات التحذيرية ركزت اللجنة استجوابها على الأيام الحرجة، خاصة يومى الجمعة 5 أكتوبر والسبت 6 أكتوبر 1973.

وكانت المعلومة الأبرز التى تلقتها هى مغادرة المستشارين السوفييت وعائلاتهم بشكل مفاجئ وعاجل من مصر وسوريا يومى 4 و5 أكتوبر. وقد وصفت هذه المعلومة بأنها كانت «الضوء الأحمر». ومع ذلك، أقرت مائير بأن رئيس شعبة المخابرات العسكرية، اللواء إيلى زعيرا، لم يقدم هذه المعلومة بكامل تفاصيلها الحيوية للحكومة خلال اجتماعها يوم الجمعة، واعترفت بأنه «فى رأيي، نعم» كان ينبغى عليه إبلاغهم بها كاملة. وعزت هذا التحفظ إلى «الخوف من التسريبات».

اقرأ أيضًا| العاشر من رمضان.. ملحمة وطنية تخلد تضحيات أبطال القوات المسلحة

وقالت إنه على الرغم من هذه الإشارات، لم يقترح أحد، لا العسكريون ولا الوزراء المدنيون الحاضرون فى اجتماع يوم الجمعة، قرارًا بتعبئة واسعة للاحتياطي. واعترفت مائير بأنها غادرت ذلك اليوم إلى منزلها فى عشية يوم الغفران وشعرت بأنها «مطمئنة تمامًا». بل إنها قالت لضيف كان لديها على الإفطار، وكان رئيسًا سابقًا لشعبة المخابرات العسكرية: «إن الفارق بينى وبينك، أننى أعود إلى البيت غير مطمئنة»، موضحة أن قلقها كان دائمًا، لكنها فى تلك الليلة بالذات شعرت باطمئنان نسبي.

معلومة حاسمة

فى حوالى الساعة الرابعة فجر السبت، اتصل بها العميد لينور وأبلغها بمعلومة حاسمة من رئيس الموساد حول توقيت الهجوم الوشيك فى إشارة إلى قصة الملاك الذى أبلغهم أن مصر ستشن حربا فى السادسة مساء وكل ذلك حذفه الرقيب لكنه يفهم فى السياق. وقد توجهت مائير فورًا إلى مكتبها وقرأت التقرير كاملاً.

وفى اجتماع الحكومة الطارئ دار جدال حاد بين رئيس الأركان دافيد إلعازار الذى طالب بتعبئة أربع فرق، ووزير الدفاع موشيه ديان الذى رأى أن فرقتين كافيتان.

ورغم موافقة رئيسة الحكومة جولدا مائير على المضى فى تعبئة 4 فرق، إلا أن القرار النهائى اتسم بالتردد، حيث تم الاتفاق بشكل أولى على تعبئة فرقتين والسبب فى رأيها هو استمرار شعبة المخابرات العسكرية فى تقدير احتمال الحرب بأنه «ضئيل». أيضا الخوف من أن تظهر إسرائيل على أنها البادئة بالحرب، مما قد يفقدها الدعم الدولى وخاصة الأمريكي. وقالت: «إذا أعلنا التعبئة – فإنهم سيعتقدون أننا ننوى المهاجمة، وعندئذ سيهاجمون». وأيضا اعتقادها بأن حالة التأهب القصوى للجيش النظامى (التأهب ج) كانت كافية لصد أى هجوم أولي.

وبررت مائير رفضها بشكل قاطع اقتراح شن «ضربة وقائية» بالطائرات ضد مصر وسوريا، معتبرة أن ذلك سيجعل إسرائيل الطرف المعتدى فى نظر العالم. وقالت «1973 ليست 1967، وهذه المرة لن يُغفر الأمر لنا، ولن نحصل على مساعدة عندما نكون فى حاجة إليها».

سخرية بارليف

دفعت مائير بشكل غير مباشر بالمسئولية عن الفشل إلى العسكريين الإسرائيليين، فى الاستعداد لصد الهجوم المصرى رغم حجم المعلومات والإشارات التى تدلل على ذلك خاصة بعد مغادرة الخبراء الروس وأشارت مستشهدة بما قاله لها الجنرال حاييم بارليف ساخرا: «أنا لا أفهمك، يجلس جنرالات أنا، بارليف، قبل عامين فقط كنت رئيسًا للأركان، ويجلس رئيس الأركان، ويجلس وزير الدفاع، الذى يفهم أيضًا فى الشئون العسكرية، ويوجد جنرال هو رئيس شعبة المخابرات العسكرية كل هؤلاء الأشخاص لا يقترحون إجراء تعبئة، ثم أنت تحديدًا، المدنية، من تنبغى أن تقترحى هذا!».

وأضافت: «أنا لا أستطيع، منذ الحرب، ولم أستطع وإن كانت لدى تقديرات القول إن هذا مذنب، وأنا لا، من الصعب بالنسبة إلى أن أسير فى هذا الطريق السهل».

إنذار مسبق

أشارت جولدا مائير فى شهادتها إلى أن إسرائيل أنفقت استثمارات هائلة بعد حرب 1967 لبناء أنظمة وإنشاءات تهدف إلى ضمان الحصول على إنذار مسبق قبل أى هجوم.

لقد كانت تثق طوال السنوات التى سبقت حرب 1973 بأن هذه الأنظمة ستوفر لها ذلك الإنذار المنشود. ومع ذلك، فإن الصدمة التى عاشتها كانت بسبب حقيقة أن هذا الإنذار لم يتحقق فعليًا عندما وقعت الحرب، باستثناء مؤشر مغادرة المستشارين الروس الذى لم يُفهم معناه بشكل كافٍ فى حينه.

وقالت مائير: «أنشأنا أشياء خرافية، وكل هذا من منطق أن نضمن لأنفسنا أن يكون لدينا إنذار، بأقصى قدر ممكن. وطوال الوقت عندما تحدثنا خلال تلك السنوات، قيل لنا دائمًا: سيكون لدينا إنذار وهو ما لم يحدث.

أم خشيب

حاول الرقيب العسكرى حذف كل إشارة وردت حول مركز التجسس الذى أنشأته إسرائيل فى منطقة أم خشيب بسيناء وحذفت الرقابة أجزاء كبيرة من النص تتعلق بهذا المركز الحيوي. لكن يمكن استنتاج ما يلى من خلال بقية النص حيث من الواضح أن إسرائيل كانت تمتلك منشأة استخباراتية متطورة بسيناء كانت جزءًا من «الأشياء الخرافية» التى أنفقت عليها أموالا طائلة بعد عام 1967 لضمان الإنذار المبكر. ويشير سياق الكلام الذى يلى العبارات المحذوفة إلى أن هذا المركز لم يقدم الإنذار المتوقع قبل حرب أكتوبر. المفاجأة الأكبر أن القيادة السياسية والعسكرية كانت تعتقد أن هذا المركز يعمل ويوفر المعلومات، ولكن تبين لاحقًا أنه لم يكن يعمل أو أن معلوماته لم تصل بالشكل الصحيح. حيث قالت مائير: «كان واضحًا تمامًا أن [كلمة محذوفة] لم يكن مفتوحًا.

وأكدت مائير أنها علمت بعد الحرب أن المركز لم يكن يعمل، وأن كلاً من رئيس الأركان ووزير الدفاع كانا يعتقدان خطأً أنه كان «مفتوحًا» ويعمل بشكل طبيعى فى ذلك الوقت.

الجسر الأمريكي

وتحدثت مائير فى وثيقة شهادتها عن معركة دبلوماسية صعبة خاضتها فبعد أن رأت نزيف الخسائر الكبير ونفاد العتاد، وصلت إلى حافة اليأس، حتى أنها فكرت فى خطوة دراماتيكية أخيرة، وقالت فى شهادتها: «قلت لسمحاه سفيرنا... اذهب إلى [كلمة محذوفة] وقل [كلمة محذوفة] إننى مستعدّة على الفور أن أغادر البلاد، وأن أتى إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وأن أقابل نيكسون بنفسى وتفتخر مائير بحجم الإنجاز الذى حققته لتنفيذ هذا الجسر حيث وصل تل أبيب عبر الجسر الجوى الأمريكى ٧٣٦ رحلة جوية نقلت ٢٦ ألف طن من العتاد، شملت ٤٠ طائرة فانتوم و٣٢ طائرة سكاى هوك، وتم نقل المقاتلات بطريقة غير مسبوقة من خلال تزويدها بالوقود فى الجو ثلاث مرات لتسريع وصولها. هكذا تحوّل الجسر الجوى من مجرد عملية إمداد إلى رمز لإنقاذ الدولة من الهزيمة الساحقة، وكان ثمرة نضال دبلوماسى يائس قادته مائير من على حافة الهاوية.
ولم تكتفِ مائير بإلقاء اللوم على المسئولين العسكريين، بل أكدت على فشل استراتيجية الأمن الإسرائيلي.

خداع السادات

تُظهر الوثائق السرية الإسرائيلية براعة الرئيس السادات الاستثنائية فى تنفيذ أحد أنجح عمليات الخداع الاستراتيجى فى التاريخ العسكرى الحديث، حيث تمكّن من إخفاء نواياه الحربية بشكل كامل عن أعين أعتى أجهزة الاستخبارات. وفى الوثائق نرى تحليل التقديرات الاستخباراتية الإسرائيلية لنية السادات بخوض الحرب وناقشت مائير وقياداتها تقديرات المخابرات العسكرية «أمان» التى رجحت أن السادات لن يخوض الحرب وقد ردد أكثر من مرة جملة عام الحسم لكنه لم يفعل واعتقادهم بأن السادات «يخاف من الهزيمة المؤكدة» وأن ميزان القوى لم يتغير لصالحه. وأظهرت الوثائق كيف أن صورة السادات لديهم كانت مرسومة بأنه زعيم متردد أو غير راغب فى الحرب وكانت السبب الرئيسى وراء الصدمة والاستهانة بالتحذيرات التى وصلت لاحقًا.

فقد فسرت القيادة الإسرائيلية كل التحركات المصرية (مثل الحشود) على أنها إما «مناورات خريفية» معتادة أو رد فعل دفاعى على أحداث أخرى، وليس استعدادًا للهجوم. لقد حوّل السادات كل الدلائل الواضحة إلى أوهام فى عقول محللى «الموساد»، محققاً مفاجأة استراتيجية كاملة جعلت جولدا مائير ووزراءها يستيقظون على وقع الهزيمة فى أقدس أيامهم، فى ساعة الصفر التى اختارها ببراعة لتحقيق النصر.

أسباب الإخفاق

وخلال فصول الكتاب التسعة والتى جاءت فى 649 صفحة نقرأ سير التحقيقات لكن الكثير من العبارات والجمل الهامة محذوفة، لذا على القارئ أن يخمن العديد من الجمل والكلمات وقدم الكتاب جزءا من الوثائق فقط على أن يكون إتمام العمل فى أجزاء تالية وجاء فى الجزء الأول ترجمة لوثائق جلسات تشاور بمكتب رئيسة الوزراء لإدارة الحرب ثم شهادة جولدا مائير، أمام لجنة التحقيق أما باقى الشهادات المترجمة فكانت لكل من ويجال ألون، نائب رئيسة الوزراء ثم شهادة أبا إيبان، وزير الخارجية ويسرائيل جاليلي، وزير الدولة للإعلام ثم شهادة حاييم تسادوق، رئيس لجنة الخارجية والأمن بالكنيست ثم الفصل الأخير شهادة موشيه كول وزير السياحة الإسرائيلى وفى تحقيقاتها مع الجميع كانت لجنة أجرانات تركز بشكل خاص فى البحث عن أسباب الاعتقاد الذى كان سائدا فى التقدير الاستخباراتى والوعى الأمنى الإسرائيلى بأن مصر لن تحارب قبل 73 وأجمع من تم التحقيق معهم أن هناك العديد من الأسباب التى دفعتهم لذلك ومن بينها تفوق إسرائيل الجوى الساحق، حيث اعتقدت القيادة الإسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي، وخاصة سلاح الجو، يتفوق تفوقاً ساحقاً على الجيوش العربية مجتمعة. وبناءً على هذا، رأوا أن أى هجوم عربى محتمل سيُهزم بشكل حاسم، وأن الخسائر العربية ستكون هائلة، مما يجعله مغامرة غير محسوبة العواقب للعرب.

أما السبب الثانى القوى فهو ترويج المصريين أنهم لن يخوضوا الحرب طالما أنها لا تملك سلاح ردع قادرا على ضرب العمق الإسرائيلى وتهديد مراكزها السكانية الحيوية ومطاراتها. وطالما أن إسرائيل قادرة على ضرب القاهرة بينما مصر غير قادرة على ضرب تل أبيب، فإن الحرب غير محتملة.

وأشار من تم التحقيق معهم إلى أن الاستخبارات الإسرائيلية اعتمدت بشكل كبير على تقييم النوايا بناءً على مصادرها، وقللت من أهمية تقييم القدرات فحتى عندما رصدت تحركات كبيرة للجيوش المصرية والسورية، فسرتها على أنها مناورات تدريبية وليس استعداداً للحرب الفعلية، لأن «قناعتهم» كانت تقول إن العرب غير قادرين على الحرب.

كما أن الكثير من الأجهزة تملكها الغرور والثقة المفرطة فى التفوق بسبب حرب 1967 وتعاظم شعور بالغرور وعدم القابلية للهزيمة داخل المؤسسة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية. هذا جعلهم يستبعدون أى سيناريو يمكن أن تتحدى فيه الجيوش العربية تفوقهم بشكل جدي.

وفى شهادات أغلب من تم التحقيق معهم أجمعوا على أن هناك معلومات استخباراتية مهمة كانت تشير إلى نية العرب للحرب، لكن هذه المعلومات تم تجاهلها أو تفسيرها بشكل خاطئ لأنها تناقضت مع التقدير العام. متجاهلاً الأدلة التى تناقضها، مما أدى إلى واحدة من أعظم المفاجآت العسكرية فى التاريخ الحديث.

السلاح الأقوى

فى الختام هذه الوثائق تكشف أن معركة أكتوبر ١٩٧٣ لم تكن مجرد نصر تكتيكي، بل كانت معركة الإرادة والعبقرية الاستراتيجية التى حطمت أسطورة الجيش الإسرائيلى الذى لا يقهر. فالوثائق تثبت كيف نجح الخداع الاستراتيجى المصرى فى شل قدرة التقدير الإسرائيلي، وكيف أدت الصدمة الأولى إلى حالة من الارتباك والانقسام داخل غرف العمليات والقيادة السياسية فى إسرائيل، بل وكشفت أن الطريق إلى عمق إسرائيل كان مفتوحاً لولا التدخل الأمريكى المباشر لإنقاذها. هذه الوثائق ليست مجرد سجل تاريخي، بل هى ذخيرة استراتيجية تثبت أن العقل المصرى القادر على التخطيط البارع، والإرادة المصرية المصممة على استعادة الكرامة، هما السلاح الأقوى الذى حقق الانتصار.

 

مترجم الكتاب فى سطور

 د.إبراهيم البحراوى

صاحب مبادرة ترجمة الوثائق مع كتيبة من المترجمين المصريين الأكفاء المتخصصين فى اللغة العبرية هم: منى ناظم، سعيد العكش، أشرف الشرقاوي، مصطفى الهواري، سعد سنجر، عبد الله حمدي، منصور عبد الوهاب، بدوى محمد، عادل مصطفى، وحسين عبد البديع.

الكتاب هو الجزء الأول من مشروع ضخم يهدف إلى ترجمة الوثائق السرية الإسرائيلية حول حرب أكتوبر 1973، مع التركيز على وثائق القيادة السياسية والحكومية.

وقام د.إبراهيم البحراوى بالإشراف على هذا الفريق وهو أستاذ متخصص فى الدراسات العبرية الحديثة. وعضو سابق فى الفريق المصرى الذى قام بعمل دراسة حول مفاهيم ومشاعر الضباط الإسرائيليين الذين وقعوا فى الأسر عام ١٩٧٣. وصاحب أول كتاب فى المكتبة العربية عن «أدب الحرب الإسرائيلي» عام ١٩٧٢. وعمل أستاذاً متفرغاً فى كلية الآداب بجامعة عين شمس فى القاهرة.