انتباه

الحرب.. «موضة العصر»!

علاء عبد الوهاب
علاء عبد الوهاب


فى مطلع العام أطلق بابا الفاتيكان صيحة تحذيرية من خطورة عودة الحرب، وكأنها «موضة العصر»!

والحق أن الحرب لم تختف قط، ولا حتى هدأت وتائرها، ومنذ مأساة قابيل وهابيل، طالما تجدد الميراث الدموى للبشرية، وإن تفاوتت مظاهره، وتباينت آثاره.

وما نشهده الآن، ليس فقط فى جوارنا، وإنما على امتداد المعمورة، يؤكد مقولتين للفيلسوف الإنجليزى توماس هوبز بأن «الكل فى حرب ضد الكل»، وأن «الإنسان ذئب بالنسبة لأخيه الإنسان»، بالطبع إلا من رحم ربى، فى زمن لا مكان فيه للضعيف، ولا يحفظ الحق لصاحبه إلا القوة.
ما يحدث فى منطقتنا، قد يفسره على نحو ما الخلاصة التى صاغها المؤرخ والأكاديمى الصهيونى مارتن ڤان كريڤلد فى مؤلفه «حرب المستقبل»، مؤكدًا «أنه ليس صحيحًا أن الحرب وسيلة لتحقيق غاية، أو أن الناس يقاتلون بالضرورة من أجل تحقيق هذا الهدف أو ذاك، بل العكس هو الصحيح، فالناس عادة ما يحددون لأنفسهم هدفًا أو آخر، لا لشيء إلا ليتخذوا منه ذريعة لشن الحرب»!!

ويستطرد كريڤلد: «إن الحرب هى الشيء الوحيد الذى يتيح ويقتضى فى نفس الوقت، إظهار كل ملكات الإنسان وتوظيفها، إنها تعد من أهم السبل التى تتيح للإنسان بلوغ المتعة والحرب والسعادة، بل والانفعال والنشوة لدرجة أن الرجل قد يستغنى عن أقرب الناس إليه وأحبهم إلى قلبه من أجل الحرب»!!

علامات التعجب من عندى، وعذرًا عن طول الاقتباس، وإن كان ضروريًا للإحاطة بالفكرة الجهنمية التى لا يتبناها هذا الصهيونى ذو النزعة المدمرة وحده، وإنما هى ذات الفلسفة التى تصيغ توجهات العديد من أصحاب القرار فى دول تملك من المقدرات الحربية، ما يمكنها من تحويل هذه الرؤية النظرية، إلى أفعال مزلزلة، تحصد ضحايا بعشرات وربما بمئات الآلاف من الأرواح البريئة المستباح دماؤها.

بالطبع، وحتى لا تختلط الأمور، فإن المقاومة للاستعمار قديمه وجديده، وحروب التحرير، والدفاع عن حرية الأوطان فى مواجهة العدوان، لا يمكن أن تندرج فى ذات الإطار، وتلك ملاحظة ضرورية حتى لا يختلط المشروع وغير المشروع من دواعى الحرب.

إن نظرة على معاناة ملايين بلا حصر من جراء حروب عدوانية تشن أولًا، ثم يتم بعد بدئها البحث عن مبررات لاندلاعها واستمرارها، بل والدعوة لقبول نتائجها البشعة والظالمة، تؤكد أن الآية أصبحت معكوسة، وأن الحرب فى المفهوم الكلاسيكى كانت امتدادًا للسياسة بوسائل أخرى، فإن البشرية تشهد الآن سياسات مدججة بالأسلحة حتى الأسنان، وأساطيل تجوب بحار الدنيا بحثًا عن فريسة تارة، والتلويح بالعدوان تارة أخرى، وتسخير للعلم والذكاء الاصطناعى فى إنتاج مزيد من الدمار بلا حدود أو سقف! باختصار أصبحت الحرب امتدادًا للسياسة التى باتت ذيلًا للعدوان!
فى عالم اليوم، توارت السياسة، واحتجبت الدبلوماسية، وأحيل القانون الدولى للتقاعد، وأصبح شعار السلام بالقوة، والقوة فوق الحق، والعدوان المتدثر بالعبارات المراوغة، هى ما يسيطر على المشهد، حيثما ولينا وجوهنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله القاهر فوق عباده .