جلس الأب فى الصالة يقرأ القرآن فى صمت، وضع أمامه حاملاً من الخشب فوقه المصحف. الحامل من خشب الورد ومُزين بالصدف الذى يشكل رسوماتٍ دقيقة لطيور تسبح فى الفضاء ورثه من العصور الوسطى أباً عن جد، وكان صانعه قد ضمخه بعطر الكافور يتلاشى مع الزمن.
كانت هناك نصف ساعة باقية على مدفع الإفطار، وفى المطبخ كانت الأم والابنة تجهزان الطعام والشراب الذى سينقلانه إلى الصالة بعد قليل.
كان فى المطبخ راديو صغير ينساب منه صوت الشيخ محمد رفعت يملأ الفضاء بالرضا، لكن الابنة رأت دمعاً يتسلل من عينى الأم التى راحت تمسحه براحة يدها.
لم تتحمل الابنة وهتفت: ماما.
ثم انفجرت باكية وانهارت على مقعد صغير، تماسكت الأم واقتربت من الابنة ووضعت رأسها على صدرها وراحت تمسح عليها براحتيها وتقول:
- خلاص يا رقية.. حقك عليا.. ما تعيطيش يا حبيبتى.. أخوكى فى أحسن مكان عند ربنا.
لكن الابنة انفجرت فى البكاء أكثر.
فقالت لها: بلاش.. بابا يسمعك يا رقية.. بابا مش مستحمل يا حبيبتى.. يعلم الله حالته إيه دلوقتى فى أول يوم رمضان وأخوكى مش معانا.
رفعت الابنة رأسها وقالت باكية:
- ليه كده يا ماما.. أخويا كان جميل أوى.
قالت الأم: حكمة ربنا يا رقية.. ربنا سبحانه وتعالى هو اللى بيختار.. اختار الشباب الحلوين كلهم.. فاكرة صورهم.. كلهم بيضحكوا مبسوطين.. دول رايحين الجنة يا رقية.
- لكن انتى مش قادرة تنسى يا ماما.. وفى المدرسة بتكتبى كل يوم على السبورة تاريخ اليوم ٢٨ يناير ۲۰۱۱.. مس هبة زميلتك قالت لى كده وكانت بتعيط علشانك.
وقبل أن ترد الأم سمعا الأب يهتف من الخارج بصوت عالٍ: يا رقية.. يا أم رقية.
هتفت الأم فى هلع: باباكي.
وجرت خارجة وخلفها رقية فوجدتا الأب جالساً فى مكانه زائغ النظرات، المصحف أمامه فوق الحامل مفتوح، وفوقه مظروف أبيض شاهق البياض يشير إليه فى رعب.
نظرا إلى المظروف فى دهشة فقال: جواب من مصطفى.
تبادلت الأم والابنة النظر فى قلق على الأب الذى قال وهو يشير إلى النافذة نصف المفتوحة فى ذهول:
- دخل من هنا وحط لى الجواب.. طائر عمرى ما شفت زيه.. دخل رفررف ملأ الصالة بريحة المسك وحط لى الجواب وطار.. شامين الريحة ؟
قالت الأم بعد أن جلست بجواره تبكى:
- خايفة عليك يا أبو مصطفى.. ليه بتعمل فى نفسك كده بس.. ابننا عند ربنا.. شهيد يا أبو مصطفى مع الصديقين والأنبياء.
لكن رقية كانت قد أمسكت بالمظروف الذى بدأ ينفتح وحده بين يديها فوضعته مكانه على الفور وهى ترتعش والأم والأب ينظران إليه إذ راحت تخرج منه زهور بيضاء جميلة تطير فى الصالة، فتراجعت رقية وجلست بجوار أبيها الذى راح يحيطها وأمها بذراعيه ويتمتم:
- «بسم الله الرحمن الرحيم.. بسم الله الرحمن الرحيم».
والزهور البيضاء تتوالى فى الخروج تملأ الصالة وتسبح فى فضائها وتنشر رائحة المسك العتيق، وصار بعضها يطير إلى النافذة نصف المغلقة تتزاحم للخروج وتغرد كعصافير الفجر. هتف الأب:
- افتحى الشباك يا رقية على الآخر.
أسرعت رقية وسط الزهور وفتحت النافذة، فتدافعت الزهور فى الخروج إلى الفضاء تملأه وينتشر عطرها فى الشوارع، والأب والأم متجمدان أمام المظروف الذى لا ينقطع خروج الزهور منه، ورقية بدورها عادت مرعوبة من عند النافذة، وجلست من جديد بجوار أبيها لا تصدق ما يجرى فى الخارج.
انفتحت نوافذ كل البيوت التى انتشر فيها العطر فجأة ولم يعرف أحد مصدره حتى زاد فخرج الناس جميعاً يرون الزهور تسبح أمامهم، يرونها من بعيد تخرج من نافذة أبو مصطفى.
هكذا صار كل من تأخر فى الخروج إلى النافذة أو الشرفة يخرج مسرعاً، وكل من كان مسترخياً يخرج، وكل من كان أمام التليفزيون يخرج، ليملأ صدره بهذه الرائحة القادمة من الجنة، وزادت الزهور فى الفضاء بشكل كبير، وراحت تدخل من النوافذ والشرفات إلى البيوت تنشر عطرها وتخرج.
ولما رأى الناس مصدرها الذى لا ينقطع خروجها منه وهو بيت أبى الشهيد، هتفوا معاً: «الله اكبر.. الله اكبر»، والزهور راحت تبتعد فى الفضاء تاركة فى البيوت رائحتها، بعد قليل انطلق مدفع الإفطار لكن كان الناس جميعاً فى حالة من الشبع وأحسوا أنهم ارتووا بالماء الزلال، وجلسوا جميعاً فى بيوتهم صامتين ينظرون إلى بعضهم فى دهشة ودموع الكثيرين منهم تطل على بعضها لا تصدق ما جرى.
فى بيت أبى مصطفى انقطع خروج الزهور من المظروف.. وجلس الأب والأم والابنة ينظرون إلى بعضهم فى فرح عميق، انحنى الأب على المظروف يمسكه ويقبله، وأعطاه للأم التى قبلته بدورها وأعطته للابنة رقية التى قبلته ودموعها تترقرق فى عينيها، بعد قليل أشعل الناس تليفزيوناتهم فرأوها قد غيرت برامجها كلها ولا كلام لها إلا عن رائحة المسك العتيق التى ملأت كل البلاد، وفى الصباح كان حديث الصحف عن هذه الظاهرة الغريبة، عن الزهور التى خرجت من بيوت عديدة فى كل وادى النيل والصحراء لتنشر رائحة المسك العتيق، صار معروفاً أنها كلها خرجت من بيوت الشهداء، لكن كتبت إحدى الصحف أن رائحة الجنة رسالة إلى الأمة التى تقاعست فى الثأر للشهداء، فى الحقيقة كان الناس يدركون ذلك، وراحوا يمشون فى البلاد صامتين.
إبراهيم عبد المجيد
من «حكايات ساعة الإفطار»

كنوز| حكايات سيدة الشاشة مع عملاق الصحافة فى ذكرى ميلادها الـ 95
كنوز| مستقبل مصر فى عقلها
كنوز| قصة «ثومة» مع الشريف فى «مسامرات الجيب» !







