في خطوة تحمل من الدلالات الرمزية أكثر مما تحمل من المعاني العسكرية، أطلقت أمريكا وإسرائيل على عمليتها العسكرية ضد إيران اسم "زئير الأسد"، في استدعاء واضح للتاريخ الديني اليهودي، وتوظيفه كغطاء لقرار سياسي بامتياز.
ففي غضون ساعات قليلة من اندلاع الحرب على إيران، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ليخاطب شعبه بخطاب يحمل ذات النبرة الدينية التي يعتمدها منذ السابع من أكتوبر 2023، حين سعى لتبرير حرب الإبادة الجماعية على الشعب الفلسطيني في غزة.
«بعد يومين سنحتفل بعيد البوريم الذي يوافق الإثنين الثاني من مارس»، هكذا استهل نتنياهو خطابه، ليأخذ مستمعيه في رحلة عبر الزمن تمتد 2500 عام إلى الوراء:« قبل 25 قرناً في بلاد فارس القديمة، نهض عدو ليُفني شعبنا بالكامل، لكن مردخاي اليهودي والملكة أستير أنقذانا بشجاعة، حينها سقط هامان الشرير، واليوم أيضاً سيسقط النظام الشرير».
هذه النبرة التوراتية لم تأت من فراغ، بل تسبقها بتسعة أيام فقط تصريحات السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هاكابي، الذي أطلق العنان لرؤية توسعية لا تخفي طموحها، معلناً أنه "لا بأس" من سيطرة إسرائيل على مساحات شاسعة من الشرق الأوسط تمتد لتشمل أجزاءً من مصر وسوريا والعراق، معتبراً ذلك "وعداً إلهياً" لا يقبل الجدل.
نحن إذاً أمام حرب متعددة الأوجه، تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع النفوذ السياسي، والعسكري للإمبراطورية الأمريكية، وكلها ملفوفة بغلاف ديني يُباع للشعوب على أنه حرب مقدسة، في مشهد يعيد إنتاج الماضي بثوب الحاضر.
لم تختلف طهران كثيراً في توظيف المقدسات، فإذا كانت إسرائيل تستحضر ذكرى الخلاص من هامان، فإن إيران ترفع راية "الثأر الأحمر" وتطلق شعار "يا لثارات الحسين"، في استدعاء دموي لواقعة كربلاء ومقتل الإمام الحسين، وكأن المعركة اليوم ليست على النفوذ الإقليمي أو الموارد، بل هي امتداد لصراع العقيدة الذي يعود لقرون خلت.
لكن خلف هذه الشعارات الدينية البراقة، تخفي الجمهورية الإيرانية حقائق أكثر تعقيداً. فالنظام في طهران يدرك جيداً أن الخيار الديني هو وحده القادر على لملمة شتات بلد يعيش على فوهة بركان عرقي وطائفي. فإيران ليست كياناً متجانساً كما تحاول تصويره، بل هي فسيفساء بشرية هشة، تضم العرب الأهواز السنة، البالغ عددهم نحو 7 ملايين نسمة، والذين يقطنون منطقة تحمل أهمية استراتيجية واقتصادية هائلة، إذ تنتج وحدها 87% من نفط إيران و100% من غازها الطبيعي، إضافة إلى احتوائها على 65% من الأراضي الزراعية، ومع ذلك يعانون التمييز والتهميش الممنهج.
ثم هناك الأذربيجانيون الإيرانيون، ثاني أكبر مكون عرقي في البلاد، ويشكلون ما بين 16% إلى 25% من السكان، ويتركزون في شمال غرب البلاد. وفي الجنوب الشرقي، يقطن البلوش في سيستان وبلوشستان بحوالي 5 ملايين نسمة، إلى جانب أقليات وطوائف شيعية أخرى، كل منها تحمل هواجسها ومطالبها. في هذا المشهد المتفجر، يصبح الخطاب الديني الموحد عصا سحرية لدرء مخاطر التفكك.
إن استدعاء الموروثات الدينية في النزاعات الدولية المعاصرة ليس مجرد حنين للماضي، بل هو ارتداد خطير إلى قرون خلت، عندما كان رجال الدين يمسكون بزمام الحكم، ذلك الحكم الذي تخلصت منه الشعوب بعد أن اكتشفت زيف هذه الشعارات وكيف تُستخدم كغطاء لمصالح اقتصادية بحتة. والأخطر أن توظيف الدين اليوم، في عصر الأسلحة الفتاكة والقدرات التدميرية الهائلة، قد يقود البشرية إلى كوارث إنسانية مروعة لا يمكن السيطرة عليها.
وعلى النقيض من هذه المعادلة الدموية التي تختزل التاريخ في معادلة سياسية، تظل مصر حالة فريدة تستحق التأمل. فحين خرج الشعب المصري في ثورته العظيمة في 30 يونيو ليرفض حكم جماعة المرشد،حاولت الجماعة الإرهابية أن تلعب بذات الورقة الدينية، وأن توظف المقدسات في محاولة يائسة للبقاء، فكان أن احترقت الكنائس في عموم مصر.
لكن النسيج الوطني المصري كان أقوى من كل محاولات التمزيق، وهنا تبرز عبقرية اللحظة التاريخية بكلمات البابا تواضروس الثاني التي سيسجلها التاريخ بحروف من نور: "وطن بلا كنائس أفضل من كنائس بلا وطن". عبارة اختزلت فلسفة كاملة في المواطنة والانتماء، وأسست لمرحلة جديدة لا مكان فيها للاستثمار الديني في الصراعات السياسية.
وفي الثلاثين من يونيو أيضًا، رفع الرئيس عبد الفتاح السيسي شعار "تحيا مصر"، في رسالة عميقة المعاني، تؤسس لمرحلة البناء والتنمية التي يعيش تحت لوائها الجميع دون استثناء، معلناً أن مصر للجميع هي الضمانة الوحيدة لاستقرار هذا الوطن.
وبرؤيته الثاقبة، أدرك الرئيس السيسي أن العالم مقبل على صراعات سياسية واقتصادية هائلة، لذا جاءت كلمته الشهيرة "مفيش وقت" لتحمل في طياتها رسالة واضحة: بناء مصر وبناء الإنسان المصري، والحفاظ على النسيج الاجتماعي المتماسك، هي الضمانة الوحيدة لتبقى سفينة هذا الوطن صامدة في وجه الأمواج العاتية التي تجتاح العالم.
حفظ الله مصر... وطناً يعلو فوق الجميع ، يحتضن المصريين تحت سماء واحدة.

تحت أول ضوء شمس
تصحيح أفكار خاطئة
عقبال بقية مارينا







