العطاءون؛ طبيب البسطاء

د. على عتمان الأب الروحى لجامعة المنصورة

د. على عتمان الأب الروحى لجامعة المنصورة
د. على عتمان الأب الروحى لجامعة المنصورة


قلوب تبنى وأيادٍ تمنح.. سير لنماذج ملهمة لصناع الأمل ، حين تصفو القلوب. تتجدد حكايات الخير ، بعيدا عن الأضواء وضجيج الشعارات، حيث لا يقاس العطاء بحجمه، بل بصدقه، ولا تروى القصص بحثا عن مجد، بل لتذكير الناس بأن الخير ممكن كل يوم ، وأن التضامن ليس موسما، بل سلوك حياة، وأن العطاء الصامت يصنع أثرا يبقى طويلا فى قلوب وعقول الناس .

رغم مرور قرابة أربعين عامًا على وفاته، لا يزال اسمه محفورًا فى ذاكرة أبناء محافظة الدقهلية، بوصفه أحد أوائل الأطباء بمدينة المنصورة. فقد نذر حياته لعلاج البسطاء ووفّر لهم الأدوية مجانًا، وسعى إلى حل مشكلاتهم ورعاية أبنائهم.
كما لا ينسى أحد مبادرته بالتبرع بأغلى قطعة أرض فى المنصورة لإقامة جامعتها، وهو ما كان له أثر بالغ فى تسريع إنشائها. هو الدكتور على عتمان، استشارى الجراحة والأمراض الباطنية وأمراض النساء والتوليد.
ويروى نجله، العالم الدكتور حسن عتمان، أستاذ الكيمياء المتفرغ بكلية العلوم ورئيس جامعة المنصورة الأسبق، جانبًا من سيرته قائلًا: وُلد الدكتور على عتمان عام 1901 بقرية شها التابعة لمركز المنصورة، وتوفى عام 1989، وُورى الثرى بمقابر عائلة عتمان فى قرية شها.
وبعد أن أنهى تعليمه ما قبل الجامعى سافر إلى ألمانيا موفداً من الحكومة المصرية عام 1918 لدراسة الطب وأمضى سبع سنوات فى مسيرة علمية ومهنية متميزة وعاد الى أرض الوطن عام 1925 مزوداً بخبرة أكاديمية وعملية رفيعة المستوى.
حصل على الدكتوراة من جامعة برلين إلى جانب دبلوماتٍ تخصصية وشهادات علمية متقدمة فى مجالات الجراحة العامة والأمراض الباطنية والأمراض الجلدية وأمراض النساء والتوليد وطب المناطق الحارة.. مشيراً إلى أن التخصص الدقيق فى أحد فروع الطب لم يكن معهوداً فى ذلك الوقت.. ولم يكن يحصل على كل تلك المؤهلات العلمية إلا عدد محدود من الأطباء المتميزين.. وقال إن والده كان قد عاود السفر إلى ألمانيا والعديد من العواصم الأوروبية عدة مرات للوقوف على أحدث ما توصل إليه الطب وتجول  بين عواصمها ومدنها متتبعًا أعظم مستشفياتها ليعود كل مرة بالمزيد من المعارف والمهارات الطبية، حيث كان يتدرب فى أهم المستشفيات على كل ما هو جديد فى الطب.
ويُعد الدكتور على عتمان من أوائل الأطباء الذين جمعوا بين التأهيل الأكاديمى الأوروبى والخبرة العملية المتقدمة فى مجالات الجراحة والباطنة والتخصصات المرتبطة بهما حيث سخر علمه وخبرته لخدمة أبناء وطنه.
افتتح عيادة خاصة بمدينة المنصورة وحرص على تخصيص أيام محددة للكشف المجانى على غير القادرين مع تقديم الأدوية للفئات الأكثر احتياجاً فى صورة تجسد التزامه المهنى والإنساني.
وقال الدكتور حسن عتمان: إن والده الدكتور على عتمان رحمه الله  كان من الشخصيات الوطنية البارزة فى محافظة الدقهلية وصاحب مواقف مشهودة فى خدمة المجتمع والعمل العام ، حيث  تبرع بـ 8  أفدنة فى أفضل موقع على شارع البحر «الجمهورية حالياً» بمنطقة شجرة الدر لإقامة جامعة المنصورة ، حيث يبلغ ثمن المتر الواحد حالياً مئات الآلاف من الجنيهات لأنها أغلى قطعة أرض فى دلتا مصر على الإطلاق.
وأشار إلى أن التبرع تم خلال زيارة عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين للمنصورة عندما كان وزيراً للمعارف..وكان الدكتور على عتمان أول من بادر بطرح فكرة إنشاء الجامعة لخدمة أبناء مراكز ومدن محافظة الدقهلية والمحافظات المجاورة وطرح الاقتراح خلال اجتماع الدكتور طه حسين بأعيان الدقهلية بمدينة المنصورة، حيث كان الدكتور عتمان على رأس الحضور فجاءت الموافقة فى الحال تقديراً لأهمية المشروع ودوره التنموى . 
أما ابنه الدكتور مصطفى عتمان استشارى الباطنة فأشار إلى أن والده كان يتمتع  بعلاقات واسعة مع الوزراء وقيادات الدولة وقدم من خلال تلك العلاقات الكثير من أعمال الخير لأهالى الدقهلية وساهم فى إنشاء المدارس والمستشفيات والمساجد والمؤسسات والجمعيات الخيرية تاركاً أثراً طيباً وسيرة عطرة ستظل محل تقدير واعتزاز عبر الأجيال.
وأكد العالم الدكتور محمد الفار، أستاذ الكيمياء بجامعة المنصورة وحفيد الدكتور عتمان، أن الملك فاروق منح جده رتبة الباكوية، تقديرًا لما قدمه من خدمات جليلة لأبناء شعب الدقهلية، وإسهاماته الوطنية والمجتمعية البارزة التى تركت أثرًا طيبًا فى مختلف المجالات.
لم يكن لقب الباكوية مجرد تشريف رسمى للدكتور عتمان، بل كان شهادة تقدير لرجل وهب علمه ووقته وماله لوطنه وأهله، فاستحق مكانته فى قلوب الناس قبل أن تُمنح له الألقاب، وظل طوال حياته مثالاً للطبيب الإنسان والوطنى المخلص الذى جمع بين النجاح المهنى والعمل العام.
ولا ينسى الحاج محمد، 73 عاماً، ما قام به الدكتور على عتمان عندما علم أن له ابناً متفوقاً فى المدرسة، غير أن ضيق ذات اليد كان يدفعه إلى ترك الدراسة لمساعدة أسرته فى توفير لقمة العيش، فكان موقف الدكتور على حاسماً إذ نهاه عن ذلك وتكفل برعاية الابن ودعمه مادياً ومعنوياً حتى أتم دراسته بكلية الطب.
وأشار إلى أن موائد رمضان العامرة التى كان يقيمها د. على لأبناء القرية من البسطاء ستظل حاضرة فى الذاكرة، إذ كانت سعادته الحقيقية فى الجلوس بينهم ومشاركتهم إفطار الشهر الكريم.
تبقى سيرة الدكتور على عتمان نموذجاً نادراً لعالم جمع بين التفوق العلمى والالتزام الإنساني، فمد يده بالعلاج والعلم والعطاء دون انتظار مقابل. 
لم يكن حضوره فى الدقهلية مجرد ممارسة لمهنة الطب، بل كان رسالة ممتدة فى خدمة المجتمع، تركت أثراً واضحاً فى مؤسساته و أبنائه وأجياله المتعاقبة، وبينما تتوارث الأجيال اسمه وسيرته، يظل إرثه شاهداً على أن العمل الصادق هو وحده القادر على تخليد أصحابه فى ذاكرة الأوطان.