تحتضن المراكز والمعاهد البحثية فى مصر كنزًا علميًا ضخمًا من الأبحاث والدراسات التى يمكن أن تحدث نقلة نوعية فى مجالات الصناعة والزراعة والصحة والطاقة، إلا أن كثيرًا من هذه الأبحاث ما زال ينتظر من يمد له يد الاستثمار لتطبيقه على أرض الواقع وتحويله إلى مشروعات إنتاجية تساهم فى دعم الاقتصاد الوطنى وتقليل الاستيراد.. وبين طموح الباحثين ورغبة المستثمرين فى مشروعات ذات جدوى اقتصادية، يظل الربط بين الطرفين هو التحدى الأكبر لتحقيق الاستفادة القصوى من هذه الجهود العلمية.. وفى هذا الإطار، تسلط «الأخبار» الضوء على نماذج من أهم الأبحاث القابلة للتطبيق، وتناقش مع المختصين والخبراء كيفية تحويلها إلى فرص استثمارية واعدة تدعم التنمية المستدامة فى مصر.

اقر أ أيضًا | وزير الصناعة: حريصون على توطين صناعة الملابس الجاهزة وتحسين التنافسية
يعد المركز القومى للبحوث من أهم المؤسسات البحثية فى جمهورية مصر العربية، إذ يضم عددًا كبيرًا من التخصصات التى تمتلك فرصًا واعدة للتطبيق والاستثمار، حيث يؤكد الأستاذ د. ممدوح معوض، رئيس المركز القومى للبحوث، أن المركز يعمل فى عدة مجالات استراتيجية، من بينها الطاقة المتجددة وخاصة الطاقة الشمسية وتكنولوجيا الهيدروجين الأخضر، والزراعة والغذاء من خلال تطوير أصناف مقاومة للظروف المناخية القاسية ومنتجات غذائية صحية ذات قيمة مضافة. كما يضم المركز أبحاثًا متقدمة فى الدواء والصناعات الدوائية، حيث تم التوصل إلى عدد من التركيبات والمركبات الجاهزة للتسجيل والتصنيع، إضافة إلى أخرى تم تسجيلها بالفعل، ويولى المركز اهتمامًا كبيرًا بمجال البيئة وإعادة التدوير عبر تطوير طرق مستدامة لمعالجة المخلفات الصناعية والزراعية وإعادة تدويرها فى صناعات جديدة، فضلًا عن أبحاث المواد المتقدمة مثل البوليمرات الحيوية والمواد النانوية المستخدمة فى الصناعة.
مشروعات تنتظر التنفيذ
ويشير معوض إلى أن المركز القومى للبحوث يملك أكثر من 200 مشروع بحثى تم الانتهاء من تجاربها المعملية بنجاح، وهى الآن فى مراحل متقدمة من الجاهزية للتطبيق الصناعى، وجميع هذه المشروعات موثقة ومصحوبة بدراسات جدوى أولية، والمركز يرحب بالمستثمرين للاطلاع عليها وبحث فرص تنفيذها على أرض الواقع.
ابتكارات جاهزة للتطبيق الصناعى
ويوضح د. ممدوح أن المركز أنتج عددًا من النماذج والمنتجات البحثية التى أثبتت نجاحها فى المعمل ويمكن تحويلها فورًا إلى مشروعات صناعية، ومن أبرزها مخصب حيوى مصرى 100% لتنمية المحاصيل الزراعية يتميز بسهولة التحضير والتطبيق وارتفاع كفاءته الإنتاجية والاقتصادية، وأيضًا تحضير الخام الدوائى «السيليمارين» الذى لا بديل له فى السوق المصرى ويُستخدم فى صناعة نحو 40 مستحضرًا ومكملاً غذائيًا لعلاج أمراض الكبد.
كما ابتكر المركز بلاطًا مطاطيًا من مخلفات الإطارات والمخلفات البلاستيكية والزراعية للاستخدام فى الصالات الرياضية وحمامات السباحة كبديل للمستورد، ونجح فى تصنيع الخلايا الشمسية ومنزل يعمل بالطاقة الشمسية.
كذلك طور المركز منتجًا غذائيًا علاجيًا مفيدًا لأطفال التوحد وبعض الأمراض الأخرى ويحتاج فقط إلى البدء فى الإنتاج، وابتكر جهازًا لتصنيع حبيبات المبيدات الحشرية للاستخدام الزراعى والمنزلى، ومنتجًا باسم FloPA كبديل محلى مبتكر لمعالجة مياه الصرف الصحى والمخلفات الصناعية.
ومن بين الابتكارات أيضًا أقمشة مقاومة للبكتيريا والفيروسات تُستخدم فى صناعة ملابس العمليات والمستشفيات، وجيل لعلاج الجروح والحروق يعتمد على تقنية النانو ويساعد على سرعة الالتئام وزيادة إنتاج الكولاجين ويعد بديلاً مستوردًا موفرًا للدولة ملايين الدولارات. كما توصل الباحثون إلى استخدام ألياف السليلوز المستخلصة من سباط البلح فى الصناعات الاستراتيجية مثل صناعة الورق، وطوروا طرقًا لمعالجة قش الأرز وتحويله إلى مواد صناعية مفيدة، بالإضافة إلى جهاز مصرى لإنتاج الجيلاتين النباتى من الطحالب.
القطاعات المستفيدة
وينوه رئيس المركز القومى للبحوث، إلى أن القطاعات المستفيدة من تطبيق أبحاث المركز تشمل عدة مجالات حيوية، ففى القطاع الزراعى، يشارك المركز فى مشروعات الأمن الغذائى والزراعة الذكية وإنتاج سلالات محسّنة، ويملك مزرعة بحثية بالنوبارية أُجرى بها أكثر من 900 تجربة بحثية ورسالة علمية، وتضم 15 صوبة زراعية ومشروعات لزيادة الإنتاج الحيوانى والسمكى.
أما قطاع الطاقة، فيستفيد من أبحاث المركز فى مجالات الطاقة الشمسية والبطاريات والطاقة الحيوية والهيدروجين الأخضر، وفى القطاع الصناعى، يقدم المركز حلولًا متطورة خاصة فى الصناعات الدوائية والغذائية والكيميائية.
وفى قطاع البيئة، يعمل معهد بحوث البيئة والتغيرات المناخية بالمركز على رصد وتحليل الظواهر المناخية، كما يوجد مركز تميز للتغيرات المناخية يتولى إبلاغ الجهات المختصة بالرؤى المستقبلية للتغير المناخى.
ويعد القطاع الغذائى من أبرز المستفيدين، حيث أنتج المركز منتجات غذائية لعلاج أطفال التوحد وسوء التغذية لدى طلاب المدارس، بالإضافة إلى مكملات غذائية لعلاج أمراض الكبد والسكرى. كما يخدم المركز القطاع الصحى والدوائى عبر تطوير مستحضرات مبتكرة محليًا.
ومن أبرز العقبات التى تواجه تنفيذ نتائج الأبحاث على أرض الواقع ضعف التواصل بين المجتمع البحثى وقطاع الأعمال، إلى جانب الروتين المرتبط بتسجيل براءات الاختراع ونقل التكنولوجيا، وهو ما يسعى المركز لتجاوزه عبر مبادرات جديدة لربط البحث العلمى بالصناعة.
ويمتلك المركز القومى للبحوث مكتب نقل وتسويق التكنولوجيا (OTC) الذى يعمل كحلقة وصل بين الباحثين والمستثمرين، حيث يقدم دراسات جدوى تفصيلية وينظم ملتقيات تجمع رجال الصناعة والقطاع الخاص بالعلماء، كما يشارك فى المعارض والمبادرات القومية مثل مبادرة تحالف وتنمية التابعة لوزارة التعليم العالى والبحث العلمى، وقد أنشأ المركز أيضًا شركة للمنتجات الابتكارية لتسويق الأبحاث العلمية المرتبطة بالإنتاج والصناعة.
ويشير د. ممدوح معوض إلى أن الاهتمام بتمويل الأبحاث العلمية من جانب رجال الأعمال فى مصر آخذ فى التزايد خلال السنوات الأخيرة، وإن كان ما زال دون المستوى المأمول، مؤكدًا ضرورة تعزيز الثقة بين الباحثين والمستثمرين لتحقيق التكامل المطلوب.
تجارب ناجحة
وقد حقق المركز القومى للبحوث بالفعل عدة شراكات ناجحة مع شركات وجهات إنتاجية، من بينها مشروع إنتاج الخام الدوائى «السيليمارين» بالتعاون مع إحدى شركات الأدوية وأكاديمية البحث العلمى والتكنولوجيا، ومشروع إنتاج البلاط المطاطى من مخلفات الإطارات بالتعاون مع إحدى شركات البلاستيك، كما نجح المركز فى تصنيع أقمشة مقاومة للميكروبات بالتعاون مع مصانع متخصصة، وأنتج مراتب مقاومة للميكروبات أثبتت كفاءة كبيرة فى وحدات الرعاية المركزة مقارنة بالمراتب التقليدية.
ومن المتوقع أن يحقق تطبيق الأبحاث على نطاق واسع عوائد اقتصادية كبيرة، أبرزها خفض فاتورة الاستيراد والحفاظ على العملة الصعبة، وخلق فرص عمل جديدة عبر إقامة مصانع وشركات، إضافة إلى زيادة الصادرات من المنتجات المصرية وتحسين قدرة الصناعة الوطنية على المنافسة إقليميًا ودوليًا. ويختتم د. ممدوح معوض حديثه برسالة إلى المستثمرين يؤكد فيها أن الاستثمار فى البحث العلمى هو مستقبل التنمية فى مصر، مشيرًا إلى أن المراكز البحثية تمتلك كنزًا من الابتكارات القابلة للتطبيق، وأنه على استعداد لتقديم كل الدعم الفنى والعلمى ودراسات الجدوى لضمان نجاح أى شراكة مع المستثمرين الجادين.
وفى إطار دعم الأبحاث التطبيقية وتحويل الموارد الطبيعية إلى قيمة اقتصادية مضافة، نجح فريق بحثى بقيادة الأستاذ د. إسلام حمدى عبد المقصود، من معهد بحوث تكنولوجيا المواد المتقدمة والثروات المعدنية، فى تحقيق إنجاز علمى واعد يعتمد على الاستفادة من خام «الألمنيت» المصرى المتوافر بكميات ضخمة فى الصحراء الشرقية.
فقد تمكن الفريق البحثى من تحضير أكاسيد التيتانيوم والحديد ذات الأهمية الصناعية العالية من خام «الألمنيت» المحلى، وقد أثبتت النتائج المنشورة فى مجلة Applied Surface Science العالمية أن مادة ثانى أكسيد التيتانيوم (TiO₂) المستخلصة، بعد تعديلها بمركب تيتانوسيليكات، أصبحت حفازًا ضوئيًا فعالًا قادرًا على إزالة الملوثات العضوية من المياه باستخدام الضوء، ما يجعلها تقنية مبتكرة وصديقة للبيئة.
ويمثل هذا الابتكار نقلة نوعية فى تطبيقات معالجة المياه وحماية البيئة، حيث يمكن الاستفادة منه فى تطوير حلول مستدامة لإزالة الملوثات بطرق آمنة واقتصادية. كما يعزز البحث من قدرة مصر على تحقيق الاكتفاء الذاتى من مادة TiO₂ المستخدمة فى العديد من الصناعات الحيوية مثل الدهانات والبلاستيك ومستحضرات التجميل.
ومن المتوقع أن يسهم هذا الإنجاز فى توفير نحو 7 ملايين دولار سنويًا كانت تُنفق على استيراد مادة ثانى أكسيد التيتانيوم من الخارج، ما يعزز من الاقتصاد الوطنى ويحد من فاتورة الاستيراد، وقد تم تسجيل براءة اختراع لهذه التقنية المبتكرة التى تؤكد ريادة الباحثين بالمركز القومى للبحوث وتميزهم فى تحويل الموارد الطبيعية إلى قيمة اقتصادية وتقنية مضافة، لتكون مثالًا جديدًا على قدرة البحث العلمى المصرى على دعم الصناعة وحماية البيئة فى آن واحد.
ثورة خضراء
ومن جانبها توضح د. مها فوزى لطفى، عضوة هيئة التدريس بقسم الميكروبيولوجى بكلية الزراعة، جامعة عين شمس، أن مادة البلاستيك التى شكلت فى يوم من الأيام نعمة فى حياة البشر، تحولت اليوم إلى تهديد حقيقى للبيئة والصحة. فالبلاستيك التقليدى المصنوع من مادة «البولى إيثيلين» يتميز برخص ثمنه ومتانته، لكنه يحتاج إلى مئات السنين ليتحلل، مما يترك آثارًا بيئية مدمرة تمتد لأجيال.
وأمام هذه التحديات البيئية، تشير د. مها إلى أن الحل يكمن فى التحول نحو الاقتصاد الدائرى والاستثمار فى التكنولوجيا الحيوية الخضراء، وبالتحديد فى إنتاج البلاستيك الحيوى، غير أن بعض أنواع هذا البلاستيك لا تزال تعتمد على محاصيل غذائية مثل الذرة وقصب السكر، ما يخلق تنافسًا بين «الغذاء والوقود»، ومن هنا جاء توجهها العلمى نحو حل مختلف ومستدام يقوم على تحويل مشكلتين إلى منحة.. ومن خلال أبحاثها فى مجال علم الميكروبيولوجى، تعمل د. مها وفريقها البحثى على إنتاج البلاستيك الحيوى باستخدام كائنات دقيقة صديقة للبيئة مثل بكتيريا حمض اللاكتيك، معتمدة على المخلفات الزراعية والصناعية كمصدر للمواد الخام بدلًا من المحاصيل الغذائية.. وتوضح أن مواد مثل قش الأرز وتفل قصب السكر ونواتج تقليم الأشجار، التى تُحرق عادة مسببة سحبًا من الدخان الأسود والانبعاثات الحرارية، يمكن تحويلها إلى كنز حقيقى عبر عمليات بيولوجية دقيقة.
مراحل الإنتاج
وتبدأ العملية باستخدام هذه المخلفات كغذاء للبكتيريا، فيتم تفكيكها وتحويلها داخل الخلايا إلى مواد حيوية تشبه البلاستيك من حيث الخواص. بعد ذلك، تُستخلص هذه المواد لإنتاج منتجات بلاستيكية حيوية قابلة للتحلل مثل الأكياس وأغلفة المواد الغذائية والأدوات الطبية.
وتصف د. مها هذا الابتكار بأنه طفرة علمية حقيقية، لأنه يحقق فوائد مزدوجة؛ فمن ناحية، يحد من ظاهرة حرق المخلفات الزراعية وما يصاحبها من انبعاثات ضارة، ومن ناحية أخرى يوفر بديلًا مستدامًا للبلاستيك البترولى، كما أن المشروع يدعم فكرة الاقتصاد الدائرى من خلال تحويل النفايات إلى موارد منتجة تخلق فرصًا اقتصادية جديدة.. ويمتاز البلاستيك الحيوى الناتج بأنه يتحلل بأمان وسرعة خلال بضعة أشهر فى التربة أو فى ظروف التحلل العضوي، كما أنه آمن تمامًا للاستخدامات الطبية والغذائية بفضل اعتماده على بكتيريا حمض اللاكتيك المعروفة بأمانها البيولوجى.

من العشوائية إلى التطوير| «التونسى».. سوق عصرى بـ «استايل موحد»
«إعادة توظيف ثقافى وسياحى» على غرار العديد من الدول العربية والإسلامية
نصيب المصريين من المقامرات العالمية 1,7 مليار دولار!







