تستفزنى جدًا لهجة الغطرسة الأمريكية الإسرائيلية، فى الاحتفاء باغتيال مرشد إيران وعائلته وكبار القادة.. العملية لا تستحق الفخر ولا الشماتة، ولا يصح أن يصبح الاغتيال وسيلة لتصفية الخصوم خارج كل القواعد والأعراف، ولا أن يؤسس لمرحلة يسودها منطق القوة الظالمة.
وتستفزنى أيضًا غيبوبة أجهزة الاستخبارات الإيرانية التى تركت مرشدها الأعلى بلا غطاء، وهى تعلم أنه المستهدف رقم واحد، وأن الحرب آتية لا محالة، واشنطون كانت على علم بمكان اجتماع المرشد والقيادات، وراقبتهم حتى اجتمعوا ثم أبلغت إسرائيل التى نفذت عملية الاغتيال،يعنى بوضوح أن إيران مخترقة، ليس الآن فقط بل منذ سنوات، وأن فريقًا من الجواسيس والعملاء المحليين يقوم بمهام قذرة ضد بلده.. ويعنى ضعفًا فادحًا فى أجهزة التأمين، التى تجاهلت أبجديات حماية القيادات، وعلى رأسها عدم اجتماعهم فى مكان واحد وهم على قائمة الاستهداف.
اغتيال المرشد الأعلى يطرح أسئلة ثقيلة حول مستقبل النظام، فهذه الشخصية لا تمثل رأس الهرم السياسى فحسب، بل تمسك بخيوط شبكة معقدة من المؤسسات الدينية والأمنية والعسكرية التى تدير مفاصل الدولة.
إيران دولة قديمة ومن المرجح أن تتماسك وتختار مرشدًا جديدًا، بما يضمن انتقالًا منظمًا للسلطة، غير أن الواقع يشير إلى أن الحرس الثورى سيلعب دورًا محوريًا فى ضبط إيقاع المرحلة الانتقالية، بما يحمى تماسك النظام ويمنع الانزلاق إلى فراغ خطير.
والاحتمال الآخر هو الفوضى، واشتعال الصراع بين أجنحة النظام، بين تيار محافظ يميل إلى التشدد، وتيار برجماتى يسعى إلى احتواء الضغوط الداخلية والخارجية، وفى حال تأخر الحسم، قد تجد الشوارع فى مدن كبرى مثل طهران نفسها أمام موجة احتجاجات جديدة، مدفوعة بأزمات اقتصادية ومعيشية متراكمة، وعندها سيصبح تحديًا وجوديًا يتعلق بقدرة الدولة على إعادة بناء الثقة بينها وبين شعبها.
ويبقى مستقبل إيران مرهونًا بسرعة تماسك مؤسساتها، وقدرتها على احتواء الصدمة، وطبيعة الرسائل التى ستبعث بها إلى الداخل والخارج، فإما أن تختار التصعيد والمواجهة المفتوحة، وإما ان تعيد حساباتها وتبحث عن مسار يخفف حدة الخسائر.
ميدانيًا، أخطأت إيران حين وسعت الاعتداء على الدول الخليجية، خصوصًا أن هذه الدول كانت حريصة على التهدئة والسعى إلى حلول سلمية، ولو اقتصر الرد الإيرانى على الأهداف العسكرية الأمريكية والإسرائيلية والأساطيل فى البحار، وضرب العمق الإسرائيلى، ربما وجدت تأييدًا أوسع.
وأخطأت إيران حين راهنت على المماطلة فى مباحثات جنيف، وهى تعلم أن النية مبيتة لضربها، وكان الأجدى إبداء أقصى درجات المرونة لتفويت الفرصة، وأخطأت فى مدّ نفوذها إلى العراق ولبنان واليمن وغزة، بما أضر بالعلاقات مع دول الجوار وعمّق فجوة الشك.
كان الأولى بها أن تركز داخل حدودها، وأن تبنى جبهة داخلية قوية، بدلًا من مد أذرعها هنا وهناك، فتكالبت عليها الأزمات السياسية والاقتصادية، وكان بوسعها أن تكون من أغنى دول الشرق الأوسط، لكنها بدت مواردها خارج حدودها، وظنت أن ذلك كفيل بأن يجعلها القوة الإقليمية العظمى فى المنطقة.

نوال مصطفى تكتب : صباح الأحد
أنباء متفائلة.. ولكن
قلة أدب وسوء تربية!






