محمد جاد الله
لم تبدأ الحكاية من لقبٍ يلمع فى كتب التاريخ، ولا من صورةٍ رسمية تُعلَّق فى قاعات الجامعة، بل من غرفةٍ ضيقة فى قلب القاهرة، حيث كان شابٌ نحيل يجلس على حافة يومٍ طويل، يضع يده على بطنه الخاوية كأنما يهدّئ جوعها، وينصت بكل جوارحه لصوتٍ بعيد ينتظر أن يولد: صوت الأذان.
هناك، فى تلك المسافة الصغيرة بين الألم والرجاء، كان يتكوّن وعى يرى فى الحرمان طاقة، وفى الصوم تدريبًا، وفى الحلم وجبةً تكفى لإنقاذ العمر كله.
قبل أن يصبح طه حسين عميدًا للأدب العربى، كان طالبًا فى الأزهر، يقتسم يومه بين جوعٍ لا يرحم وكتبٍ لا تشبع، ويؤمن بإصرارٍ يكاد يكون معجزة أن المعرفة يمكن أن تكون خبزًا آخر.
لم يكن الجوع حالةً عابرة من أعراض الفقر، بل كان نظام حياة يعيد تشكيل الحواس من جديد كان الجسد يضعف، لكن الذاكرة تقوى، وكانت المعدة تفرغ، لكن الرأس يمتلئ بالنصوص.
ومع الوقت لم يعد الفقر يسلبه شيئًا، بل صار يمنحه حساسيةً نادرة تجاه كل فكرةٍ وكل كلمة، كأن الحرمان نفسه يدرّبه على التركيز ويعلّمه كيف يختصر الطريق إلى المعنى وهكذا تحوّل ما كان وصمةً فى مجتمعٍ طبقى إلى مصدر قوة، ومنح صاحبه سلطةً معرفية لم تكن فى حساب أحد.
كان العمى فى الظاهر بابًا موصدًا، لكنه فى الحقيقة نافذةً واسعة على عالم الصوت فى مجتمعٍ يقدّس الرؤية، صنع مجده من السماع. صار النص عنده نغمةً تُحفظ، وصار الشعر إيقاعًا يسكن الذاكرة لم يعد يحتاج إلى العين ليرى المعنى، لأن المعنى نفسه صار يُسمع وهذا التحول العميق هو الذى جعله عقلًا مختلفًا، عقلًا لا يقرأ الكلمات فقط، بل يعيشها لذلك حين دخل الأزهر لم يكن مجرد طالبٍ آخر، بل كان مشروعًا لتجربةٍ تبدأ من الحرمان وتنتهى بالسيادة على النص.
كان دخوله إلى الجامعة المصرية أشبه بدخول جسدٍ غريب إلى فضاءٍ لم يُصمَّم له فلاحٌ فقير، أعمى، بملابس بسيطة، يقف فى مكانٍ تمتلئ مقاعده بأبناء الطبقة الميسورة لكن ما بدا ضعفًا فى الشكل تحوّل إلى قوةٍ فى الجوهر لم يطلب اعترافًا، ولم ينتظر شفقة، بل قرر أن يصنع مكانه بنفسه كل صفحةٍ كان يقرأها كانت خطوةً على طريقٍ طويل نحو عدالةٍ مؤجلة، وكل فكرةٍ يفهمها كانت لبنةً فى جسرٍ يعبر به من الهامش إلى المركز صار التعليم عنده معركة وجود، لا مجرد مسارٍ مهنى.
وعند الغروب، كانت القاهرة تتحول إلى اختبارٍ يومى لقوة القلب. المدينة تشتعل بروائح الطعام، والبيوت تمتلئ بالضحكات، والموائد تمتد، بينما يعود هو إلى غرفته متحسسًا الطريق، يحمل فى داخله جوعين: جوع الجسد وجوع المعنى يضع رغيفه القليل أمامه كأنه يضع الحد الأدنى من الحياة، ثم يفتح كتابه كأنه يفتح باب النجاة لم يكن الإفطار نهاية يومٍ طويل، بل كان بداية يومٍ جديد، لأن الليل كان زمنه الحقيقى، الزمن الذى لا يُقاس فيه الإنسان بما يملك، بل بما يفهم.
فى تلك الليالى الرمضانية، كان الصوم يتحول من قيدٍ اجتماعى إلى اختيارٍ روحى. لم يعد الحرمان تجربةً فردية، بل صار جزءًا من طقسٍ جماعى يشارك فيه الملايين. غير أن الآخرين كانوا يفطرون على طعامٍ وفير، بينما كان هو يفطر على حلمٍ يكبر كل ليلة صار الجوع وقودًا، وصار الانتظار تدريبًا على الصبر الطويل الذى تحتاجه المعرفة. كانت كل لحظة تأخير فى الشبع توسّع داخله مساحةً للفهم.
ثم جاءت لحظة الامتحان التى بدت كأنها خلاصة الطريق كله. سؤالٌ دقيق عن قراءةٍ نادرة فى نصٍ جاهلى، صمتت أمامه القاعة. لكن الصوت الذى خرج من مقعد الطالب الفقير لم يكن صوت تلميذٍ يجيب، بل صوت عقلٍ يمتلك ما يقول استعاد النص، حلّل الإيقاع، فكّك المعنى، وأعاد بناء القراءة. فى تلك اللحظة تبدّل كل شىء. لم يعد الجسد الغريب فى القاعة، بل صار مركزها. كان ذلك انتصارًا للعقل الذى تشكّل فى أقسى الظروف، وانتصارًا لذاكرةٍ حيّة على سلطة الورق البارد.
هذه اللحظة لم تكن مجرد إجابةٍ صحيحة، بل كانت إعلانًا بأن المعرفة يمكن أن تولد خارج الامتيازات، وأن العقل الذى يتكوّن فى الهامش قادرٌ على أن يهزم سلطة المركز. وحين كتب بعد ذلك الأيام لم يكتب سيرةً شخصية، بل كتب طريقًا كاملًا يمكن أن يمشى فيه كل من بدأ من لا شىء. جعل من معاناته لغةً عامة، ومن ألمه جسرًا يعبر عليه الآخرون.
وما يجعل هذه الحكاية حيّة اليوم أنها تتكرر كل مساء فى شوارعنا. طفلٌ يقف عند الإشارة قبل المغرب بلحظات، شابٌ يعود إلى بيتٍ لا يعرف ماذا ينتظره فيه، أمٌّ تخبئ قلقها خلف ابتسامة الإفطار. المشهد نفسه يتكرر، لكن الحلم ليس مضمونًا للجميع. هنا تتحول السيرة من قصة نجاحٍ فردية إلى سؤالٍ مفتوح عن مصير المعرفة فى حياة الفقراء، وعن قدرة الكتاب على أن يكون باب نجاة.
حين صار صاحب قرار، لم ينسَ تلك الغرفة الضيقة ولا ذلك الرغيف القليل. لذلك بدا دفاعه عن مجانية التعليم وكأنه دفاعٌ عن حقٍ شخصى، وكأن كل طفلٍ يدخل مدرسةً بلا مقابل هو امتداد لذلك الطالب الذى جلس يومًا ينتظر الأذان. لم يكن التعليم عنده مشروعًا إداريًا، بل كان ردَّ دينٍ قديم للجوع.
ظل يحمل تلك الحساسية تجاه الألم الإنسانى طوال حياته. لم ينسَ المكان الذى يبدأ فيه اليوم برغيفٍ صغير وينتهى بكتابٍ كبير. ولهذا لم يكن مشروعه الفكرى بعيدًا عن الناس، بل كان موجهًا إليهم. أراد للمعرفة أن تنزل من أبراجها، أن تصبح خبزًا يوميًا لكل طفلٍ يقف على الرصيف، وأن تتحول الثقافة إلى حقٍ لا إلى امتياز.
كلما عادت هذه الحكاية فى رمضان بدا الأذان كأنه إعلانٌ عن إمكانية العدالة. أن الألم يمكن أن يتحول إلى معنى، وأن الجوع يمكن أن يصبح نورًا. ليست استعارةً بلاغية، بل تجربة إنسانية كاملة عاشها جسدًا وروحًا. ولهذا تبقى صورته وهو ينتظر مدفع الإفطار أصدق من كل الألقاب. تلك اللحظة هى التى صنعت كل ما بعدها: لحظة إنسانٍ قرر أن يحوّل معاناته إلى مشروع، وصيامه إلى معرفة، ووحدته إلى صوتٍ يملأ العالم.
لم يكن يشبع من الطعام، لكنه أشبع أمةً كاملة من العقل. ولم يكن يملك إلا حلمًا صغيرًا فى غرفةٍ ضيقة، لكنه جعل منه تاريخًا كاملًا. وهكذا، قبل أن يكون لقبًا يُقال، كان تجربةً تُعاش، وقبل أن يكون تمثالًا فى ذاكرة الثقافة، كان فتىً يجلس وحده، يفطر على حلم.. ويطعم المستقبل نورًا.
عند هذه اللحظة لا يبقى من الحكاية كلها إلا ذلك المشهد الصغير الذى يتكرر كل مغرب: إنسان يجلس فى مواجهة يومه كما لو كان يواجه قدره، يمد يده إلى لقمةٍ قليلة، بينما يمتد عقله إلى أفقٍ لا تحدّه سماء. هناك، فى هذا التوازن المعجز بين ضيق الواقع واتساع الحلم، نفهم أن الصيام لم يكن جوعًا عابرًا فى سيرة طه حسين، بل كان مدرسةً خفيةً تعلّمه كيف ينتصر المعنى على النقص، وكيف تتحول اللحظة الضيقة إلى بابٍ مفتوح على الخلود.
لم يكن ينتظر مدفع الإفطار ليأكل فقط، بل ليعلن – فى صمتٍ لا يسمعه أحد – أن يومًا آخر مرّ دون أن يخسر نفسه، وأن المعرفة ما زالت قادرة على أن تكون خبزًا للفقراء ونورًا للقلوب.
لهذا تبقى حكايته أكبر من سيرة أديب إنها مرآةٌ واسعة نرى فيها وجوهًا كثيرة تعبر شوارعنا الآن، تحمل الجوع ذاته وتفتّش عن الفرصة ذاتها، وتنتظر أذانًا ما يعلن لها أن الطريق ما زال ممكنًا وكأن كل مغرب يهمس بأن البداية التى خرجت من غرفةٍ فقيرة تستطيع أن تصل إلى قلب التاريخ، وأن ما يبدو حرمانًا ليس إلا المادة الخام لمعجزةٍ مؤجلة.
فى محراب «البرنامج الموسيقى»
مكتبة الإسكندرية تستضيف أساطير الجاز الإيطالى
محسن عبد العزيز فى ورشة الزيتون







