بطل يشرف النياشين ..«شيزام» أسطورة المقاومة الشعبية الذى كرمه الرئيسان ناصر والسادات

الرئيس السادات يكرم البطل المصرى محمد خليفة المعروف بلقب «شيزام»
الرئيس السادات يكرم البطل المصرى محمد خليفة المعروف بلقب «شيزام»


فى سجل المقاومة الشعبية المصرية، يتلألأ اسم محمد محمد خليفة، المعروف بلقب «شيزام»، لم يكن مجرد فدائي، بل تحوّل إلى أسطورة حية، ورمز لبطولة الفرد فى مواجهة جيوش الاحتلال، قصته هى مزيج من البراعة التكتيكية والشجاعة الأسطورية التى ولدت وترعرعت على ضفاف قناة السويس إنه تجسيد حى لروح الفداء التى سكنت قلب سيناء ومنطقة القناة، جاعلاً من نفسه كابوساً متواصلاً لكل من حاول تدنيس تراب مصر.



اقرأ أيضًا | مزهر: مسار التسوية والمقاومة بعد 7 أكتوبر بحاجة إلى مراجعة شاملة



فى ذكرى انتصار العاشر من رمضان «حرب أكتوبر المجيد» يقول ابنه عبد الله كوماندوز  وهو لقب ورثه عن والده - كاتب ومؤلف - «اكتسب خليفة لقبه الأول «شيزام» من أعدائه الإنجليز أنفسهم خلال فترة الاحتلال البريطانى، كانت طريقته فى القتال لا مثيل لها؛ إذ كان يدرس تحركات القوافل العسكرية البريطانية فى الإسماعيلية بدقة فائقة، كان يعوق حركة المركبات العسكرية بجذوع الأشجار والأغنام، ثم ينقضّ عليها من أعلى الأشجار بشكل مفاجئ وخاطف، يوقع الرعب والفوضى فى صفوف الجنود المذعورين ويستولى على الذخيرة والعتاد.
 

هذه المهارة الفائقة فى الكمين والانقضاض السريع، مثل طائر أسطورى ماهر فى افتراس صيده، دفعت الإنجليز إلى تسميته «شيزام»، وهى كلمة قيل إنها مستوحاة من قدرته على الظهور والاختفاء فى لمح البصر».

وتابع قائلا: «أما الصهاينة فمنحوه لقباً آخر أكثر عسكريةً هو «الكوماندوز»، اعترافاً بشجاعته الفائقة فى العمليات الفدائية التى لم تتوقف حتى بعد نكسة يونيو 1967، وهى الفترة التى شهدت ذروة نشاطه فى العبور المتكرر للقناة لتهريب الأسلحة اللازمة للمقاومين والاستيلاء على ذخائر العدو لتقوية الجبهة الداخلية، مما جعله هدفاً رئيسياً لفرق البحث الإسرائيلية التى فشلت مراراً فى القبض عليه».

بدأت قصة خليفة البطولية وهو لم يتجاوز الستة عشر عاماً، فى شارع السلطان حسين بالإسماعيلية، كانت أولى ملاحمه عندما شهد اعتداء جنود الاحتلال على سيدة مصرية، فانتفضت فيه نخوة المصرى الأصيل، لم يتردد لحظة، فاشتبك مع الجنود وقتل منهم ستة، ليصبح فوراً مطلوباً ومطارداً، وتبدأ بذلك علاقته التى لا رجعة فيها بالثورة.

لم يغب «شيزام» عن ساحات القتال، بل كان دائماً فى قلب الحدث، شارك فى معارك فاصلة ومصيرية، كان أبرزها معركة الشرطة فى 25 يناير 1952، حيث أظهر بسالة لا حدود لها فى دعم رجال الشرطة المحاصرين ضد القوات البريطانية، وظلّ حاضراً ببندقيته وشجاعته خلال العدوان الثلاثى على مصر عام 1956، مسهماً فى إحباط العديد من محاولات الإنزال والتقدم.

عندما تشكلت فصائل المقاومة الشعبية بعد نكسة 67، كان شيزام أحد أبطالها الذين كسروا غطرسة العدو، حيث كانت فرقته تعمل كظهير قوى للقوات المسلحة، ومن أشهر حكاياته التى تدل على دهاء الفدائيين، قصة «عربية البرتقال» قرب كوبرى الجمرك، لجأ شيزام ورفاقه إلى الطُرفة والمكيدة لجذب جنود الاحتلال، فقد أوهموا الجنود بأن عربة برتقال متروكة ممتلئة بفاكهة «مجانية» يمكنهم الحصول عليها بسهولة، وبمجرد تجمع الجنود حول العربة، انفجرت قنبلة شديدة الانفجار كانت مخبأة بعناية وسط البرتقال، فى حادثة هزت الصحف البريطانية آنذاك وأثبتت أن المقاومة المصرية قادرة على الوصول إلى العدو بأى ثمن.

تجلت أقصى درجات بطولة شيزام الفردية فى حرب أكتوبر 1973، فبينما كانت القوات المسلحة تخوض معركة العبور المجيدة، عبر شيزام إلى الضفة الشرقية مشاركاً فى المعركة بأسلوبه الخاص، لكن إنجازه الأبرز كان عملية الأسر النوعية التى أصبحت علامة فارقة فى تاريخه.. حيث تمكن شيزام بمفرده من أسر ثلاثة جنود إسرائيليين، ولم يكتفِ بذلك، بل قام بربطهم ببعضهم البعض بحبل طويل وقوى، وأمرهم بالسباحة أمامه فى مياه قناة السويس أثناء العودة، ليجتاز بهم القناة بسلام إلى الضفة الغربية، مسلماً إياهم فى مقر القيادة المصرية.. لقد كانت عملية جريئة ومغامرة فردية غير مسبوقة، أكدت قدرته على التعامل مع العدو بمزيج من الشجاعة والحنكة، وألهمت الكثيرين من بعده.

إن الإقدام على عبور القناة مع ثلاثة أسرى مقيدين تحت تهديد السلاح، وتحت وابل النيران، كان عملاً ينم عن ثقة مطلقة بالنفس وقدرة مذهلة على السيطرة التامة على الموقف، ليثبت أن الإرادة المصرية كانت أقوى من أى دفاعات أو تحصينات.


اعترافاً بهذا السجل البطولى الحافل، نال شيزام التكريم والتقدير من أعلى المستويات فى الدولة، كرمه الرئيسان الراحلان عبد الناصر والسادات، مُهديين إياه العديد من النياشين والأوسمة الرفيعة التى تزين صدره.


وظلّ شيزام حتى أيامه الأخيرة هو راوية المدينة وحكّاءها، شاهداً حياً على تاريخ حافل من الفداء. كان يرتدى بدلته العسكرية المطرزة بالنياشين، وعلى رأسه قبعة عليها صور رؤساء مصر، يحمل علم الوطن وميكروفونه، ليعلن فى كل احتفال وطنى: «تحيا مصر»، ويقصّ جزءاً من تاريخ نضال الفدائيين. لقد بقيت حكاية شيزام، البطل، منارةً للوطنية والصمود والفردية التى تتحدى الجيوش، ومثلاً للبطولة التى تخرج من رحم الشعب.

رحل كوماندوز عن عالمنا فى 8 سبتمبر 2015عن عمر يناهز 87عاما، لكن سيظل اسم الكوماندوز شيزام، الفدائى محمد محمد خليفة، خالدًا فى ذاكرة الأمة، شاهدًا على بطولة وإخلاص لم يغيبا، ورمزًا للتضحية التى تتوارثها الأجيال بفخر.