شهر رمضان ليس فقط للصلاة والصيام، بل جاء ليعلمنا ويرسخ فينا عددًا من المبادئ والقيم، ومن أهمها قيمة العدل؛ تلك القيمة التى لم تكن يومًا شعارًا يُرفع، بل كانت أساس دولة، وضمان مجتمع، وميزان أمة، لذلك خصصت مقالاتى فى هذا الشهر المبارك لتناول العدل فى الإسلام، فتناولت فى المقال الأول عدل رسول الله بوصفه المؤسس الأعظم لدولة الرحمة والقانون، وفى مقالى اليوم نقف أمام أمير المؤمنين، الرجل الذى ارتبط العدل باسمه حتى صار يُقال: إذا ذُكر العدل ذُكر عمر بن الخطاب.
لم يكن الفاروق مجرد حاكم يدير شئون دولة مترامية الأطراف، بل كان رجل دولةٍ يرى الحكم أمانةً ثقيلة، ومسئوليةً يُسأل عنها أمام الله قبل أن يُحاسَب عليها أمام الناس، وقد أسر عدله القلوب، وبهر العقول، حتى اقترن اسمه بالقسط والعدل، كان العدل فى نظر عمر الفاروق دعوةً عمليةً إلى الإسلام، به تُفتح القلوب للإيمان، وبه تستقيم حياة الناس، وقد سار على نهج النبى، فجعل سياسته قائمة على العدل الشامل بين الرعية، مسلمين وغير مسلمين، قويهم وضعيفهم.
ومن أبلغ ما يترجم فلسفته فى العدل رسالته إلى أبى موسى الأشعرى، الذى يُعد وثيقةً قانونيةً متقدمة فى تاريخ القضاء، قال فيها نصًا: «إن القضاء فريضة محكمة وسُنة متبعة، فافهم إذا أُدلى إليك؛ فإنه لا ينفع تكلُّم بحق لا نفاذ له، وآسِ بين الناس فى وجهك وعدلك ومجلسك؛ حتى لا يطمع شريف فى حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك، البينة على مَن ادعى، واليمين على مَن أنكر، ولا يمنعْك قضاء قضيته بالأمس فراجعت فيه نفسك وهُديت لرشدك أن ترجع إلى الحق؛ فإن الحق قديم لا يبطله شىء، ومراجعة الحق خير من التمادى فى الباطل، وإياك والقلق والضجر والتأفف بالخصوم؛ فإن الحق فى مواطن الحق يعظم الله به الأجر ويحسن به الذكر».
هذه الكلمات ليست مجرد توجيهات، بل ميثاق عدالةٍ متكامل، يرسّخ مبدأ المساواة أمام القضاء، ويقرّ حجية البيّنة، ويؤكد أن الرجوع إلى الحق فضيلة لا نقيصة، ويُعلى من شأن أخلاقيات القاضى قبل سلطته، فعمر الفاروق كان عقلية قانونية تدرك أن هيبة الدولة لا تقوم بالشدة، بل بالإنصاف.
ولم يكن إحساس الفاروق بالمسئولية نظريًا؛ فقد قال كلمته الشهيرة التى تكشف عمق وعيه بالمحاسبة: «لو أن دابة تعثرت فى العراق لسألنى الله عنها»، لم تكن عبارة بلاغية، بل عقيدة حكم؛ وتتجلى عدالته فى قصة القبطى مع ابن والى مصر، عمرو بن العاص، حين ضرب ابن الوالى الرجل وهو يقول: «أنا ابن الأكرمين»، لم يكتفِ عمر بالتحقيق، بل استدعى الوالى وابنه، وأعطى السوط للمظلوم ليقتص، ثم قال كلمته الخالدة: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟»، فى تلك اللحظة التاريخية أُعلن مبدأ سيادة القانون، وأن المنصب لا يمنح حصانة من العدالة، وأن الكرامة الإنسانية أصلٌ لا يُمس.
وعدله لم يقف عند حدود المسلمين؛ فقد رأى شيخًا يهوديًا يسأل الناس، فقيل إنه فقير أثقلته الجزية، فبكى وقال: «ما أنصفناه، أخذنا منه شابًا ثم ضيعناه شيخًا»، وأمر أن يُفرض له رزق من بيت المال، هنا تتجسد إنسانية الدولة؛ فالمواطنة فى ميزان العدل لا تُختزل فى الانتماء الدينى، بل تُقاس بحق الإنسان فى الكرامة والأمان.
وفى عام الرمادة، حين اجتاحت المجاعة الجزيرة العربية، حرم نفسه من اللحم والسمن حتى لا يشبع والناس جياع، وكان يخرج ليلًا يتفقد أحوال الرعية، وحين حمل الدقيق على كتفه لإغاثة أطفالٍ جياع، وقيل له: أحمله عنك يا أمير المؤمنين، قال: «أتحمل عنى وزرى يوم القيامة؟»، لم يكن ذلك زهدًا فرديًا فحسب، بل تجسيدًا لفلسفة حكم ترى أن العدل مشاركة فى الألم قبل أن يكون قرارًا مكتوبًا، كما كان شديدًا فى محاسبة ولاته، يحصى أموالهم قبل الولاية وبعدها، ويعزل مَن تثبت عليه شبهة ظلم، فالسلطة عنده تكليف لا تشريف، وخدمة لا سيادة.
إن استحضار سيرة عمر بن الخطاب فى رمضان ليس استدعاءً لصفحاتٍ من التاريخ بقدر ما هو استدعاءٌ لقيمة العدل الذى يمنح السلطة مشروعيتها، ويمنح المواطن ثقته، ويجعل القانون حصنًا لا سيفًا، لقد حكم عمر فعدل، فاستقرت دولته، واطمأن شعبه، وخلّد التاريخ اسمه.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







