كريم حامد يكتب : " عمل منهم رجالة " 

كريم حامد
كريم حامد


بحترم الناس المحبة للعمل، وبحترم الناس الذين يعملون بأيديهم لا يتكبرون على الشغل بصرف النظر عن نوع هذا الشغل، زمان كان عندنا محل في وسط البلد وكان جنبه محل شهير جدا للفول والطعمية، أصحابه مليونيرات "ربنا يزيدهم ويرزق الجميع من واسع فضله"، كان المؤسس و"المعلم الكبير" يحرص على دفع أبناءه للعمل بأيديهم، إذا غاب عامل أو اشتد الزحام يبادرون بالمساعدة والعمل بجد وإخلاص أفضل من العمال، رغم الثراء الشديد، الكل يعمل، لا أحد فيهم يتكبر على قلي الطعمية أو تعبئة السندوتشات وتجهيز السلاطات أو حتى تقطيع البطاطس والباذنجان، وأمام الجميع، وكأنهم يقولون العمل شرف نتباهى به لا نخجل منه.


كنت أسأل أبي "ليه بيشتغلوا وعندهم عشرات العمال والموظفين؟"، عندما كبرت أدركت وعلمت مغزى حكمة "المعلم"، هؤلاء الأبناء كونوا بعد ذلك إمبراطورية محلات "تسد عين الشمس" بطول مصر وعرضها، لأن العمل "عمل منهم رجالة" بمعنى الكلمة.. لكن جيل الدلع الذي أتى بعدهم ولم يعلمه "المعلم الكبير" ولم يدفعه لقلي الطعمية وتقطيع البطاطس في الشارع وولد في فمه معالق الذهب معبأة بالكافيار، أطاح بالإمبراطورية "التي تسد عين الشمس" ورا الشمس.


عندما كبرت وصرت صحفيا كنت ولا زلت بفضل الله ونعمته محبا للعمل وشغوفا به، بحب الصحافة لذاتها ودورها وأهميتها، وليس لشيء آخر، في محطة من محطات عملي الصحفي تعاملت وتعلمت من الأستاذ لطفي نصر ابن أخبار اليوم – رحمه الله – وكان صحفيا من طراز خاص، كان مدير تحرير ملء السمع والبصر في مملكة البحرين لأكبر صحفها، يرفع سماعة الهاتف "يكلم أتخن تخين" بمعنى الكلمة حرفيا، من صاحب السمو الملكي رئيس الوزراء وانت نازل، يرفع سماعة الهاتف يخلص صفقات إعلانات مع رؤساء بنوك وشركات عملاقة بملايين في دقائق، هذا في الصباح، أما في الظهيرة فينافسنا في المؤتمرات الصحفية كأصغر مبتديء أو متمرن وهو في عمر جاوز السبعين، في المساء أشطر "دسك مان" ومراجع صفحات، رجل شغوف محب مقدر لقيمة العمل والعطاء لا يتكبر أبدا، ومثله أمثلة كثيرون يعلمهم الصحفيون.


مصر لن تنهض إلا بشعب يحب العمل، ويخلص له ويتقنه.