راجي عامر يكتب: الرقم المظلم

راجي عامر
راجي عامر


يشير مصطلح “الرقم المظلم” في علم الجريمة إلى الجرائم التي لم يتم الإبلاغ عنها رسميًا أو لم تُكتشف. وتُعد الجرائم الجنسية ومنها التحرش من أكثر الجرائم وقوعًا في “الرقم المظلم” لأن قطاع كبير من الضحايا يفضلون عدم الإبلاغ عن الجريمة إما خوفًا من الوصمة الاجتماعية وعدم مساندة المجتمع أو توجيه اللوم لهن عوضًا عن احتمالية انتقام الجاني أو نظرًا لطبيعة العلاقة الشخصية مع المجرم أو حتى عدم الثقة في قدرة الجهات الرسمية على تحقيق العدالة.

الرقم المظلم يجعلنا ندرك أن إبلاغ فتاة جريئة عن تعرضها للتحرش معناه أن هناك العديد ممن مروا بالتجربة ذاتها إنما لديهن سبب أو أكثر منعهن من الإبلاغ، وكأن هذه الفتاة أصدرت صرخة مكتومة نيابة عن العديد من الفتيات.

عندما ننظر إلى "السوشيال ميديا" وعلاقتها بكشف هذه القضايا نجدها أداة تمكين تكنولوجية في مواجهة الجريمة حيث تُستخدم في توثيق جرائم التحرش والإبلاغ عنها من فتيات وجدن أن كاميرا الموبايل قد تضمن الحصول على عدالة منصفة ناجزة لا تتأخر فيها الإجراءات، وآخرهم فتاة سجلت فيديو نشرته عبر السوشيال ميديا اتهمت خلاله شابًا بالتحرش بها خلال استقلالها الأتوبيس فأصبحت قضيتها موضوع رأي عام. 

ولكن يظل من سلبيات هذه المحاكمات الشعبية عبر “السوشيال ميديا” افتقارها للحياد أو احترام حقوق جميع الأطراف مما يعني إمكانية إصدار إدانة مسبقة لمتهم أو التشهير بشخص قد تثبت براءته القانونية لاحقًا.

في الوقت ذاته فإن تسليط الضوء على مواقف تصدت خلالها فتيات للجناة مع الإعلان عن عقاب قانوني رادع للمتحرشين سوف يساهم في انحسار الظاهرة استنادًا لنظرية (الاختيار العقلاني) التي تفترض أن الناس تحدد قراراتهم بناء على اعتبارات منطقية لتقييم النتائج والفوائد المحتملة لذلك فإن إدراك المتحرش إمكانية عدم إفلاته من العقاب -في ظل احتمالية تصويره وتحوله لترند عبر السوشيال ميديا- فإنه من المرجح أن يخاف ويتراجع عن ارتكاب الجريمة بعدما علم أن هناك فتيات شجاعات لن يقبلن التواجد في الرقم المظلم.