قلعة على حافة الجبل.. خبير آثار يكشف أسرار حصن شيخ العرب همام بقنا

شيخ العرب همام
شيخ العرب همام


في أعقاب إعلان وزارة السياحة والآثار عن الكشف عن مدينة سكنية من القرن الثامن عشر وجبانة قبطية أقدم منها أسفل موقع شيخ العرب همام بقرية العركي في محافظة قنا. 

سلط خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان الضوء على الأهمية التاريخية والعسكرية لقلعة شيخ العرب همام، باعتبارها شاهدًا معماريًا فريدًا على مرحلة مضطربة من تاريخ صعيد مصر.

الموقع لا يمثل مجرد أطلال من الطوب اللبن، بل يحكي قصة زعيم صعيدي بسط نفوذه من المنيا حتى أسوان، وبنى لنفسه حصنًا استراتيجيًا يتحكم في طرق التجارة والحركة بين وادي النيل ودرب الأربعين.

 

◄ موقع استراتيجي يتحكم في طرق الجنوب

 

تقع قلعة شيخ العرب همام في حاجر الجبل الغربي شمال قرية العركي التابعة لمركز فرشوط بمحافظة قنا، على بُعد نحو 6 كيلومترات في مواجهة وادي الحول، المدخل الرئيسي لطريق درب الأربعين، وهو الطريق التجاري التاريخي الذي ربط مصر بوسط أفريقيا عبر الصحراء.

هذا الموقع منح القرية أهمية خاصة كمدخل لمدينة فرشوط عبر العصور المتلاحقة، وهو ما يفسر اختيارها مركزًا عسكريًا وإداريًا خلال القرن الثاني عشر الهجري / الثامن عشر الميلادي.

 

◄ شيخ العرب همام.. حاكم الصعيد القوي

 

يلفت الدكتور عبد الرحيم ريحان إلى أن شيخ العرب همام (همام بن يوسف بن أحمد الهواري) وُلد في فرشوط عام 1106هـ، ونشأ في بيت زعامة وثراء، إذ ورث قيادة قبائل الهوارة عن والده الشيخ يوسف.

وبفضل قوته ونفوذه، أصبح الحاكم الفعلي لإقليم جرجا، ممتدًا من المنيا شمالًا حتى أسوان جنوبًا، ولكي يحمي أراضيه الواسعة من هجمات الأعراب وأطماع المماليك، كوّن جيشًا كبيرًا ضم قبائل عربية ومماليك فارين، إضافة إلى آلاف المقاتلين من عربان الهوارة وأهالي الصعيد.

لكن الصراع مع علي بك الكبير غيّر موازين القوى، خاصة بعد أن تمكن محمد بك أبو الدهب من استمالة أحد قادة همام، ما أدى إلى هزيمته وتراجعه عن فرشوط، ليموت مقهورًا عام 1769م في قرية قمولا.

 

◄ عمارة عسكرية بالطوب اللبن

 

بحسب الدراسة الأثرية، بُنيت قلعة الأمير همام من الطوب اللبن المصنوع من الطمي والرمل والتبن، وشُيدت جدرانها بأسلوب هندسي يراعي توزيع الضغوط، مع اختلاف سمك الجدران وزوايا ميلها.

ترتفع الجدران نحو 6 أمتار، وتعلوها أقبية وقباب نصف كروية، بينما اتخذت الأبواب والنوافذ عقودًا نصف دائرية. ولم يُستخدم الخشب في البناء بسبب سرعة تآكله في البيئة الجبلية.

وضمت القلعة عناصر دفاعية واضحة، مثل الإشراف على الطرق الحيوية، والقرب من مصادر المياه العذبة، ما يعكس إدراكًا عسكريًا دقيقًا لمتطلبات التحصين.

 

اقرأ ايضا| أحفاد شيخ العرب همام يحيون الذكرى 256 لوفاة "حاكم الصعيد"

 

 

◄ تخطيط القلعة ومرافقها

 

تتكون القلعة من مبنيين منفصلين:

المبنى الرئيسي (الجنوبي): مساحته 2156م²، وما تزال معظم جدرانه قائمة.

المبنى الثانوي (الشمالي): مساحته 1050م²، ويرجح أنه كان مخصصًا للمخازن والطواحين وملحقات الخدمة. 

وفي الجنوب الغربي تمتد مساحة تتجاوز 15 فدانًا تضم أطلال مبانٍ يُعتقد أنها كانت مساكن للجند ومخازن للغلال والأسلحة. كما توجد منطقة مفتوحة غرب القلعة تبلغ مساحتها نحو 10 أفدنة، كانت تستخدم ميدانًا لتدريب الجنود واستعراض الخيل في المناسبات.

وقد سُجلت هذه المنطقة ضمن عداد الآثار الإسلامية والقبطية بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1562 لسنة 1998، وتشرف عليها حاليًا منطقة الآثار الإسلامية والقبطية بنجع حمادي.

 

◄ قيمة أثرية وسياحية واعدة

 

يأتي تسليط الضوء على القلعة بالتزامن مع أعمال الحفائر التي تنفذها البعثة المصرية–الفرنسية المشتركة بالتعاون مع المعهد الفرنسي للآثار الشرقية، والتي كشفت عن مدينة سكنية من عصر همام، إضافة إلى جبانة قبطية أقدم منها.

هذه الاكتشافات المتعاقبة تعزز من أهمية الموقع كمشهد تاريخي متكامل يجمع بين الطبقات البيزنطية والإسلامية، ويفتح آفاقًا واسعة لإعادة توظيفه سياحيًا ضمن مسار آثار قنا، خاصة لقربه من مراكز أثرية كبرى في جنوب مصر.

وهكذا، تظل قلعة شيخ العرب همام شاهدًا صامتًا على مرحلة سياسية وعسكرية فارقة، وذاكرة معمارية تختزن قصة صعود زعيم صعيدي سعى لبناء كيان مستقل في قلب الجنوب المصري.