أصل الحكاية| "القطايف" حلوى رمضان عبر العصور

 القطايف
القطايف


ما إن يهلّ شهر رمضان حتى تتصدر القطايف واجهات المحال وتفوح رائحتها في الأزقة القديمة، معلنة بدء موسمٍ من الطقوس المحبة، لكنها ليست مجرد فطيرة محشوة بالمكسرات أو القشطة، بل حكاية تراثية امتدت عبر قرون، واختلفت حولها الروايات، واجتمعت على مكانتها الخاصة في الوجدان العربي. 

اقرأ أيضًا| تقسيم الوجبات والإكثار من الماء .. لمرضى السكري دليلك لصيام آمن

- أصل القطايف بين التاريخ والرواية

تُعد القطايف واحدة من أقدم الحلويات المرتبطة بشهر رمضان في العالم العربي، غير أن أصلها التاريخي لا يخلو من الجدل، فالمصادر التراثية تذكر روايات متعددة، تتراوح بين العصر الأموي والعباسي والفاطمي، بل وتصل إلى العصر المملوكي، دون اتفاق قاطع على رواية واحدة.

في العصر الأموي والعباسي

تشير بعض الروايات إلى أن القطايف ظهرت في أواخر العصر الأموي، وربما كانت معروفة قبل الكنافة، ويُقال إن الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك كان من أوائل من تناولها في رمضان عام 98 هـ.

كما تُرجّح مصادر أخرى أنها انتشرت في بدايات العصر العباسي، حيث ازدهرت صناعة الحلوى وتنافس الطهاة في ابتكار أصناف جديدة تليق بموائد الخلفاء.

- روايات العصر الفاطمي والمملوكي

تذهب روايات أخرى إلى أن القطايف عُرفت في العصر الفاطمي، حيث عُرفت القاهرة بازدهار مطابخها وأسواقها.

وفي العصر المملوكي، يُحكى أن صناع الحلوى تنافسوا لتقديم أفضل ما لديهم، فابتكر أحدهم فطيرة صغيرة محشوة بالمكسرات، وقدمها بطريقة جذابة ليسهل على الضيوف "قطفها"، ومن هنا جاءت التسمية.

- سبب التسمية

يرتبط اسم "القطايف" بطريقة تقديمها؛ إذ كانت تُرصّ بشكل جميل في المناسبات، ليقطفها الضيوف مباشرة من الطبق، فاشتُق الاسم من فعل "قطف"، وكانت في بدايتها تُحشى بالمكسرات، قبل أن تتنوع حشواتها لاحقًا لتشمل القشطة والسكر وغيرهما.

القطايف في الأدب والشعر

لم تكن القطايف مجرد طعام، بل دخلت عالم الأدب والشعر، فقد تغنّى بها شعراء في عصور مختلفة، ومنهم الشاعر ابن الرومي الذي عُرف بحبه للكنافة والقطايف، وكذلك أبو الحسين الجزار.

ومن الطريف أن العالم المصري جلال الدين السيوطي ألّف رسالة بعنوان "منهل اللطايف في الكنافة والقطايف" في القرن العاشر الهجري، حين ارتفعت أسعار الحلوى، في واقعة تعكس مدى تعلق الناس بها حتى في أزمنة الأزمات.

- القطايف في الأندلس

تذكر بعض الروايات أن الأندلسيين كانوا من أوائل من صنعوا القطايف، وأنها انتشرت في مدن مثل غرناطة وإشبيلية، قبل أن تنتقل إلى المشرق العربي خلال فترات الحكم الإسلامي، ومع مرور الوقت، أصبحت جزءًا أصيلًا من تقاليد رمضان في مصر وبلاد الشام ومعظم الدول العربية.

- مشهد لا يتغير في ليالي رمضان

رغم اختلاف الروايات التاريخية، يبقى المشهد واحدًا: بائع يقف أمام صاجٍ ساخن، يصب العجين في دوائر متساوية، تتكوّن فقاعات صغيرة على سطحها قبل أن تنضج، يتجمع الناس حوله، ويتسابق الأطفال لشراء القطايف ساخنة فور خروجها، أحيانًا دون انتظار حشوها.

تتعدد الحكايات حول نشأة القطايف، لكن المؤكد أنها تجاوزت حدود الزمن لتصبح رمزًا رمضانيًا بامتياز، فهي ليست مجرد حلوى موسمية، بل تراث حيّ يجمع بين المذاق والتاريخ والذكريات، ويجسد روح الشهر الكريم في أبسط صورها وألذّها.