التعريفات الجمركية تحت مقصلة القضاء| «العليا الأمريكية» تعتبر رسوم ترامب غير قانونية

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب - صورة تعبيرية
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب - صورة تعبيرية


وجّهت المحكمة العليا الأمريكية إنذارًا واضحًا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعدما قضت بعدم قانونية الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها استنادًا إلى قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية.

ولا يمثل القرار، الذي صدر بأغلبية 6 مقابل 3، مجرد خلاف قانوني حول تعريفات تجارية، ويعكس تحولًا مهمًا داخل أعلى هيئة قضائية في البلاد، التي وُصفت خلال العام الماضي بأنها منحت ترامب مساحة واسعة للتحرك دون قيود تُذكر.

المفارقة أن اثنين من القضاة الذين انضموا إلى الأغلبية الرافضة لتعريفات ترامب هما من بين المرشحين الثلاثة الذين عيّنهم هو نفسه في المحكمة، يأتي هذا الحكم، الذي اعتبرته أوساط قانونية إعادة تأكيد على مبدأ الفصل بين السلطات، قبل أشهر من انتخابات التجديد النصفي، ويحرم الرئيس الأمريكي من أداة ضغط رئيسية استخدمها في مواجهة الحلفاء والخصوم على حد سواء.

اقرأ أيضًا| بعد خطاب ميونيخ| ترامب يمازح وزير خارجيته: كنتُ على وشك إقالتك.. فماذا حدث؟


قرار تاريخي: الرسوم الجمركية خارج صلاحيات الرئيس

أعلنت المحكمة العليا الأمريكية، في حكم صدر الجمعة، أن التعريفات الجمركية الواسعة التي فرضها ترامب لا تستند إلى أساس قانوني صحيح بموجب قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية.

ورفضت المحكمة في قضية “موارد التعلم ضد ترامب” تفسير الرئيس للقانون باعتباره يمنحه سلطة فرض رسوم شاملة.

وأكد الحكم بوضوح أن الرسوم الجمركية تُعد ضرائب، وأن سلطة فرض الضرائب تعود حصريًا إلى الكونجرس باعتباره الجهة الدستورية المخولة بإدارة موارد الدولة.

ويمثل القرار تراجعًا عن مرحلة سابقة اتسمت بتوسيع غير مباشر لصلاحيات الرئيس الأمريكي، إذ كانت المحكمة قد منحت ترامب في عدة مناسبات "هامش شك" عبر قرارات طارئة أوقفت أحكامًا صادرة عن محاكم أدنى سعت إلى كبح نفوذه.


عام من التوسع الرئاسي.. قبل أن تتدخل المحكمة

خلال العام الأول من ولايته الثانية، أصدرت المحكمة العليا الأمريكية 24 حكمًا مؤقتًا ضمن ما يُعرف بـ”جدول الأعمال الموازي”، وهو مسار طارئ غير شفاف نسبيًا.

هذه الأحكام سمحت لترامب، ولو بشكل مؤقت، بتجاوز قيود يفرضها الكونجرس، من بينها القيود على إقالة رؤساء الوكالات الحكومية.

كما سبق أن منحت المحكمة الرئيس حصانة واسعة في قضية “ترامب ضد الولايات المتحدة”، حيث أقرت بحصانة مطلقة من الملاحقة الجنائية عن أفعاله الرسمية، وهو ما وصفه بعض المراقبين حينها بأنه تكريس لـ”سلطة ملك”.

في هذا السياق، جاء قرار الرسوم الجمركية بمثابة كبح مفاجئ لمسار كان يبدو أنه يميل بقوة لصالح السلطة التنفيذية.


تحالف 6-3.. عودة جون روبرتس إلى الواجهة

أعاد الحكم رئيس المحكمة العليا جون روبرتس إلى موقع القيادة داخل المحكمة، بعد أن أثيرت تساؤلات في السنوات الأخيرة حول مدى قدرته على ضبط التوجه المحافظ الصلب للأغلبية.

النتيجة جاءت 6-3، لكن ليس وفق الانقسام التقليدي بين ستة محافظين وثلاثة ليبراليين، فقد انضم روبرتس إلى اثنين من القضاة المحافظين، نيل جورسوش وإيمي كوني باريت، ليشكلوا مع القضاة الثلاثة ذوي الميول الليبرالية أغلبية عابرة للتيارات السياسية.

انضمام جورسوش وباريت كان لافتًا، إذ إن كليهما عينهما ترامب خلال ولايته الأولى.

وشغل جورسوش مقعد الراحل أنتونين سكاليا عام 2017 بعد إبقاء الجمهوريين المنصب شاغرًا ومنع ترشيح باراك أوباما، فيما اختار ترامب باريت عام 2020 عقب وفاة روث بادر جينسبيرج.


غضب رئاسي وهجوم شخصي على القضاة

لم يتأخر رد ترامب، إذ أعرب عن غضبه الشديد عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهاجم القضاة الذين صوتوا ضد تعريفاته بعبارات حادة وشخصية.

ووصف القضاة الليبراليين بأنهم “حمقى”، بينما اعتبر أن القضاة المحافظين الثلاثة الذين عارضوا الحكم يتمتعون بـ”القوة والحكمة وحب الوطن”، وفي مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض، خصّ باريت وجورسوش بانتقادات مباشرة، قائلاً إن القرار “فظيع” و”محرج لعائلاتهم”.

ورغم أن رؤساء أمريكيين سابقين انتقدوا أحكامًا قضائية، فإن حدة الهجوم الشخصي الذي شنّه ترامب عكست مستوى غير معتاد من التصعيد تجاه المحكمة.

اقرأ أيضًا| إلغاء قرار 2009 التاريخي.. أكبر ضربة لسياسات المناخ في أمريكا


لماذا صوت جورسوش وباريت ضد ترامب؟

يرى مراقبون أن تصويت باريت لم يكن مفاجئًا بالكامل، إذ أظهرت خلال السنوات الماضية نزعة استقلالية وانضمت في عدة قضايا إلى القضاة الليبراليين.

أما موقف جورسوش، الذي يُعرف بتوجهه المحافظ الصارم واصطفافه المتكرر مع كلارنس توماس وصموئيل أليتو، فكان أكثر إثارة للانتباه.

وفي رأيه المؤيد للحكم، كتب جورسوش أن الكونجرس “لم يتنازل بوضوح للرئيس عن سلطة التعريفة الجمركية الشاملة التي يسعى إلى ممارستها”، ما يعكس تمسكه بتفسير صارم للنص الدستوري ومبدأ الفصل بين السلطات.

ويُفسر بعض الخبراء هذا التصويت بأنه تعبير عن رفض لتجاوزات رئاسية واضحة أكثر منه تحولًا أيديولوجيًا.


إنذار قبل انتخابات التجديد النصفي

يأتي الحكم قبل نحو تسعة أشهر من انتخابات التجديد النصفي، ما يجرده من إحدى أدوات الضغط الرئيسية التي استخدمها في ولايته الثانية.

ورغم أن ترامب أعلن فور صدور القرار عن حزمة جديدة من الرسوم الجمركية استنادًا إلى سلطة تشريعية مختلفة، فإن المحكمة بعثت برسالة واضحة: صلاحيات الرئيس ليست بلا حدود.

ومع ذلك، حذّر بعض الخبراء من المبالغة في قراءة القرار باعتباره تحولًا جذريًا، وقالت ليزا جريفز، الخبيرة في الحركة القانونية اليمينية، إن الحكم لا يمثل “شجاعة قضائية”، بل هو محاولة من “محكمة روبرتس” لاتخاذ الحد الأدنى من الخطوات لكبح إساءة استخدام السلطة.


ما الذي يعنيه القرار مستقبلاً؟

يشير التحالف غير المتوقع داخل المحكمة إلى أن بعض قرارات ترامب الأخرى قد تواجه اختبارًا قضائيًا جديًا، خصوصًا محاولته إلغاء حق المواطنة بالولادة المنصوص عليه في التعديل الرابع عشر.

لكن في الوقت ذاته، تظل حدود تدخل المحكمة قائمة، إذ يعتمد تنفيذ أحكامها في النهاية على التزام السلطة التنفيذية بها.

وبينما قدّم الحكم صفعة قانونية واضحة لترامب، فإنه فتح في المقابل فصلًا جديدًا من الصراع الدستوري حول حدود السلطة الرئاسية في الولايات المتحدة.

اقرأ أيضًا| ترامب يقاضي مصلحة الضرائب الأمريكية بعد تسريب إقراراته الضريبية ويطالب بتعويض