حاتم الدالي يكتب: السلوك والإدارة ودولة صغار الموظفين

حاتم الدالي
حاتم الدالي


في ظل ما تبذله الدولة المصرية وقيادتها السياسية من جهود كبيرة في البناء والتنمية وتحديث مؤسساتها، يظل التحدي الحقيقي مرتبطًا بثقافة السلوك والإدارة على أرض الواقع. فنجاح أي مشروع وطني لا يتوقف عند حدود التخطيط أو إصدار القرارات، بل يمتد إلى جودة التنفيذ وروح المسؤولية المشتركة بين المواطن والموظف، حيث تتكامل الأدوار لبناء مجتمع منضبط وقادر على صون مكتسباته.

وأحسب أن الاثنين وجهان لعملة واحدة؛ سواء سلوكيات المجتمع الخاطئة الناتجة عن تصرفات الأفراد أو سلوكيات المسؤول عن الإدارة وإهماله، وكلاهما يحتج على الآخر بسوء المسلك والسلوك.

ولا يخلو كلاهما من جزء من الحقيقة وجزء أكبر من الهروب من المسؤولية وتحميلها كاملة للطرف الآخر.

وهنا يحضرني تساؤل بسيط: في وقت وزمان ليسا ببعيدين، لم تكن إمكانات الدولة متوافرة بذات القوة؛ فلم تكن في شوارعنا الريفية صناديق لتجميع القمامة نهائيًا، ولم تكن لدى الإدارة المحلية هذه المعدات، ومع ذلك لم نكن نعيش وسط هذا الكم من القمامة الملقاة في كل مكان.. كيف كانوا يتخلصون من القمامة؟

فقد كنا نمر على الأراضي فنجد أصحابها يعتنون بنظافة مجالسهم وأرضهم، فأين كانت قمامتهم؟.. كنا نمشي في شوارعنا فلا نجد هذا الكم من القمامة، فكيف كانت تتخلص منها ربات البيوت؟.. كنا نرى أن النظافة ليست داخل الشقق والمنازل فقط، بل نجد النظافة أمام البيوت قبل داخلها.. إنه مجتمع، يا سادة، يتكافل ويتكامل للإصلاح، لا يتناحر ويتنافس في الهروب من المسؤولية.

مصر أصبحت دولة صغار الموظفين.. وللأسف الشديد هذه قناعات يتداولها البعض من أبناء الشعب المصري؛ لذلك فقدت كلمات بعض المسؤولين مصداقيتها لدى المواطن حين لا يجد الأثر على أرض الواقع، ولم يعد البعض يعترف بكلمات أي مسؤول، فجميعها تصريحات وكلمات تتحطم في نظرهم على صخرة صغار الموظفين الذين أصبحوا حجر عثرة ضخمًا في سبيل أي مشروع أو إنجاز.

ومن المبكيات المضحكات كلمات لأحد الأصدقاء، كان يشغل أمين عام الإدارة المحلية بعهد الجنزوري وكان وكيلًا للجنة الإدارة المحلية بمجلس الشورى، حين قال: لأول مرة تشهد مصر ظاهرة الرئيس المدير الذي يتابع كل شيء بنفسه، وهذا أمر لن يستقيم، فلن يستطيع شخص مهما بلغت قدراته أن يتابع كل أمر منفردًا، وهو معذور في ذلك، فليس هناك مسؤول مصري يستطيع المتابعة الحقيقية لكل التفاصيل بمفرده، وفعلاً محق فيما قاله.

للأسف المشاريع والكلمات والأمنيات جميلة، تنقص درجة كلما نزلت من مسؤول لآخر بحسب التسلسل الوظيفي، لتصبح كذبة عند التعامل مع صغار الموظفين.

وبين كل ذلك، لا يمكن إنكار ما تبذله الدولة المصرية ومؤسساتها وقيادتها السياسية من جهود واضحة في البناء والتنمية ومحاولة إصلاح الجهاز الإداري وتطويره، لكن تبقى الحلقة الأهم هي حسن التنفيذ والمتابعة والانضباط في المستويات التنفيذية الصغرى، إلى جانب التزام المواطن بسلوكيات تحافظ على ما يتحقق من إنجازات.

في النهاية، سوء الإدارة وسوء السلوك أصبحا مرضًا متجذرًا في المجتمع، وعلاجه لن يكون إلا بتكامل حقيقي بين الدولة بمؤسساتها وقيادتها، وبين المواطن الذي يدرك أن المسؤولية مشتركة، وأن الحفاظ على الوطن ليس شعارًا بل سلوك يومي وممارسة فعلية.

كاتب المقال: مفكر سياسي ونائب برلماني سابق