لم يعد «تحريك» قانون الأحوال الشخصية «المتعثر» رفاهية تشريعية، بل ضرورة وطنية تضع البرلمان أمام تحد حقيقى.. تصاعد النزاعات الأسرية وقضايا الطلاق فى عصر ملوثات التواصل الاجتماعى، يتطلب تشريعًا حاسمًا يعالج المشكلات من جذورها دون خلق أزمات جديدة.
القانون المنتظر يجب أن يقوم على مراجعة دستورية دقيقة وحوار مجتمعى واسع يشارك فيه علماء الدين والقانونيون وخبراء الاجتماع والنفس، لحماية الأسرة من التفكك ومنع تحول كلمة انفعالية مثل «أنت طالق» إلى مأساة إنسانية.
الطلاق الشفهى قضية محورية، لما له من تأثير مباشر على استقرار الأسرة وحماية حقوق الأطفال.. ولم يعد الجدل حوله مقتصرًا على الجانب الفقهي، بل بحثًا عن آلية توثيق حديثة تضمن حقوق جميع الأطراف، دون تعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية.
يتمسك الأزهر الشريف باعتباره المرجعية الدينية، بوقوع الطلاق بمجرد التلفظ به، إذا استوفى شروطه الشرعية، معتبرًا أن التوثيق إجراء إدارى لحفظ الحقوق، وليس شرطًا لوقوع الطلاق شرعًا.
وتطالب منظمات المجتمع المدنى والحقوقيون بقانون أكثر عصرية، يتماشى مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان والمرأة والطفل، وترى أن إلزام الزوج بتوثيق الطلاق رسميًا أمام المأذون أو المحكمة ضرورة قانونية، لحماية المرأة من الطلاق الغيابى، ومنع العبث بمصير الأسرة بعبارة «أنت طالق».
بين هذين الموقفين يواجه المجتمع اختبارًا صعبًا: كيف نحافظ على ثوابت الشريعة، وفى الوقت ذاته مواكبة تطورات العصر وتحقيق العدالة الاجتماعية؟.. السؤال ليس نظريًا، لأن نتائجه تنعكس مباشرة على ملايين الأسر، واستقرار المجتمع.
المسار التشريعى يسعى إلى تحقيق توازن دقيق، عبر الاعتداد القانونى بالطلاق الموثق فقط، مع عدم إنكار الرأى الشرعى حول وقوع الطلاق الشفهى، والهدف الأساسى هو حماية حقوق المرأة والأطفال، ومنع حالات الطلاق التى تتم فى لحظات غضب أو عبر الهاتف أو الرسائل النصية، دون إدراك عواقبها القانونية والاجتماعية.
القضايا الأسرية الجدلية تمثل ألغامًا تشريعية حقيقية، مثل حق الرؤية والاستضافة، والصراع المستمر بين الأمهات والآباء حول اصطحاب الأطفال، ومن يملك القرار النهائى فى مستقبلهم، وتعدد الزوجات وإخطار الزوجة الأولى، ولكن الطلاق الشفهى يظل العقدة الأكبر، لأنه يمس جوهر العلاقة الزوجية واستقرار الأسرة.
مع انتشار تطبيقات التواصل الاجتماعي، ظهر شكل جديد من الطلاق، يتم عبر الرسائل النصية أو التسجيلات الصوتية.. بعض الأزواج يظنون أن كتابة عبارة «أنتِ طالق» أو قولها فى تسجيل صوتى يكفى لإنهاء زواج استمر سنوات، بينما تجد الزوجات أنفسهن أمام مصير مجهول، بسبب رسالة انفعالية قيلت فى لحظة غضب.
المحاكم امتلأت بقضايا إثبات الطلاق، وتلجأ الزوجات إلى الشهود أو الأدلة الرقمية لإثبات وقوعه، مما يطيل النزاعات ويزيد الضغط النفسى على الأسرة خاصة الأطفال، ويبقى البحث عن أرضية مشتركة ضرورة ملحة، ليس فقط لحسم الجدل، بل لحماية الأسرة المصرية من التفكك، وبناء تشريع يعكس روح العصر دون التفريط فى الثوابت .

فى الخامس من يونيو
إدانة.. ولكن «2»
الذكاء الاصطناعى سفينة نوح







