عانت مصر كثيرًا من ويلات تراجع مستوى الأداء التعليمي والبحثي في كثير من جامعاتها، حتى أن السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي سبق وقال في تصريحات علانية في فبراير 2022 بنجاح 111 فقط من أصل 300 ألف خريج تقدموا لوظائف حاسبات وتكنولوجيا متخصصة والأسئلة لازالت تطرح عن أسباب تخريج أنصاف متعلمين في العديد من المجالات العلمية.
والأمر لم يقتصر على الحاصلين على شهادات الليسانس والبكالريوس بل امتد ليشمل طلاب الماجستير والدكتوراه، بعض من الشهادات العليا تمنح كمجاملة أو بتساهل بدعوى أنها لوجه الله (ملاكي).. ولا أفهم كيف ندعي الطيبة في تدمير بنية هذا المجتمع من خلال التساهل في العلم.
في إحدى الجامعات الإقليمية تطرح إحدى الوقائع تساؤلاً جوهرياً يمس صلب منظومة البحث العلمي وهيبة الدولة الأكاديمية، حيث عمل أحد الأقسام العلمية على استبعاد أحد الأساتذة من الإشراف على رسالة دكتوراه بقرار إداري، استجابة لشكوى طالب ضعيف يتهرب من مواجهة متطلبات العلم الحديث.
وهذا الأمر ناهيك عن كونه يمثل سابقة إدارية خطيرة تضرب عرض الحائط بمبادئ "المشروعية" وحق الدفاع التي كفلها القانون، فهو يضع مستوى البحث العلمي في مصر تحت نير الضعف والتردي. فالقرار الإداري في البيئة الجامعية ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل هو وثيقة قانونية يجب أن تقوم على أركان السلامة من حيث السبب والمحل والغاية، وعندما يُبنى قرار الاستبعاد على "ادعاءات مرسلة" دون مواجهة علمية أو تحقيق قانوني يثبت تقصير المشرف أو تعسفه، فإننا نكون بصدد "عوار إداري وقانوني" يجعل من السلطة التقديرية للأقسام العلمية أداة لقهر المعايير الرصينة والأساتذة الملتزمين بدلاً من حمايتهم والدفاع عن تلك المعايير العلمية. بل وزاد الأمر بلاء وابتلاء أن تم تهديد الأستاذ إذا لم يصمت فإنه سوف يتم كتابة شكاوى أخرى تمس شرفه ونزاهته الأكاديمية.
إن هذا النوع من المعاملة المهينة للأستاذ و"المجاملة" المقيتة للطالب يمثل إخلالاً جسيماً بالمركز القانوني للمشرف الأكاديمي، الذي تمنحه القوانين واللوائح ولاية فنية شبه مطلقة في رسم خارطة الطريق للبحث.
فمن الناحية القانونية، لا تملك جهة الإدارة (مجلس قسم لا يضم أستاذا في التخصص) الحق في التدخل لخفض مستوى الأدوات العلمية المطلوبة (مثل استبعاد الأدوات الإلكترونية لرصد ظاهرة إلكترونية والاكتفاء بالأدوات التقليدية) بذريعة التيسير على الباحث، لأن هذا التدخل يعد "افتئاتاً على الاختصاص الفني" ويحول العملية التعليمية من "تدريب على التميز" إلى "تسهيل للحصول على درجة".
وهذا خلل قانوني يؤسس لبيئة غير آمنة وغير سوية للبحث العلمي، حيث يصبح الأستاذ المخلص مهدداً بالإقصاء إذا ما حاول دفع تلميذه نحو آفاق معرفية جديدة تتطلب جهداً حقيقياً.
من جانب آخر، فإن الانعكاسات المجتمعية السلبية لهذا النهج المتساهل المتراخي تنذر بكارثة حقيقية تهدد الأمن القومي، فالدولة التي تسعى لمواكبة الثورة الرقمية وتحديات العصر لا يمكنها أن تنجح في ظل نظام جامعي يسمح بمرور "أنصاف متعلمين" إلى صدارة المشهد الأكاديمي.
وبهذه التصرفات اللامسؤولة يتحول الأستاذ شيئا فشيئا إلى سلعة تباع وتشترى بحسب الأمزجة. وكلما دقق الأستاذ أكثر وأكثر في الصلاحية العلمية للرسالة كلما كانت فرصه أقل في سوق العرض والطلب.
إن التساهل مع طلاب الدراسات العليا وإجازة رسائل تفتقر للمنهجية العصرية لا يخرّج علماء، بل يضخ في عصب الدولة ما يمكن تسميته بـ "الجهل المقنّع بالعلم". هؤلاء الذين يحملون ألقاباً براقة دون محتوى حقيقي يمثلون خطراً داهماً؛ لأنهم يتولون مستقبلاً قيادة المؤسسات وبناء العقول، وهم لا يمتلكون سوى أدوات بدائية عجزوا عن تجاوزها في مرحلة البحث، مما يهدد بإغراق المجتمع المصري في ظلمة التسطيح الفكري والتراجع المعرفي المغلف بشهادات رسمية.
إن حماية الأساتذة المتمسكين بالمنهج العملي القويم ويحاولون تطويره هي إحدى خطوط الدفاع الأساسية عن مستقبل الدولة، فالتساهل مع الباحثين "المستسهلين" ليس رحمة بهم، بل هو جناية على المجتمع بأكمله، إذ يؤدي إلى تزييف النخبة وتعطيل طموحات الدولة في التحول الرقمي الحقيقي.
إن الجامعة التي تضحي بعلمائها وأساتذتها إرضاءً لضغوط الإدارة أو رغبات الطلاب، إنما تهدم صرحها بيديها، وتسهم في تحويل الشهادات العليا إلى مجرد "لقب اجتماعي" بدلاً من أن تكون قوة دفع علمية تنقل الوطن إلى المستقبل. لذا، فإن إنصاف الكفاءات العلمية ورفض الوصاية الإدارية على المنهج هو السبيل الوحيد لضمان ألا يتحول نور العلم في بلادنا إلى سراب يحسبه الظمآن ماءً.
لذا أقدم صرخة أستاذ مخلص لوطنه لوزير التعليم العالي ولفخامة رئيس الجمهورية شخصياً للضرب بقوة على يد كل من تسول له نفسه المجاملة في العلم على حساب الوطن .. حمى الله مصر من كيد الكائدين.
كاتب المقال: وكيل كلية الإعلام لشئون التعليم والطلاب جامعة المنوفية

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







