آباء يبيعون براءة أبنائهم على السوشيال ميديا من أجل المال والشهرة

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


 كاميرا الموبايل تحولت إلى باب رزق ومعها لم يسلم الأطفال من الاستغلال، ولم تعد البراءة خطًا أحمر.. أو مرحلة عابرة من اللعب والبراءة واللهو واكتشاف العالم، بل تحولت عند البعض إلى مساحة مفتوحة للعرض والمشاهدة والتقييم، ففي زمن السوشيال ميديا، لم يعد الطفل يكبر بهدوء بعيدًا عن أعين الغرباء، بل أصبح كثير من الاطفال يولدون داخل الكاميرا، وتسجل أولى ضحكاتهم وخطواتهم وكلماتهم، ليس للاحتفاظ بها كذكرى عائلية، إنما لعرضها على ملايين المتابعين لكسب نفحة من الأموال، ففي كل يوم نمرر أصابعنا على شاشات الهواتف نشاهد طفلا يضحك، وآخر يبكي، وثالث يُجبر على تمثيل مشهد أو ترديد كلمات لا يفهم معناها بينما تتصاعد وتزداد اعداد المشاهدات والإعجابات والتعليقات، مشهد يبدو عادي للبعض بل ومسليًا في بعض الاحيان لكنه يخفي خلفه سؤالا أخطر من انه مجرد ترند، متى تحولت الطفولة إلى سلعة؟ ومتى اصبح الطفل وسيلة للربح والشهرة بدلا من أن يكون إنسانًا له حق الحماية، تفاصيل أكثر سوف نسردها لكم داخل السطور التالية.

في الماضي كانت مشاركة صور الأطفال على مواقع التواصل الاجتماعي تقدم باعتبارها لحظات عائلية طبيعية جدًا.. صورة في عيد ميلاد.. فيديو أول يوم مدرسة.. ذكرى جميلة يتشاركها الأهل مع المقربين لهم، لكن مع الوقت تغير المشهد، وتحولت الصفحات إلى قنوات والمقاطع إلى ما يسمى بمحتوى والطفل إلى بطل دائم الظهور.. فلم يعد الظهور عفويًا بل صار مخططًا له وللأسف من بعض الآباء والأمهات.

 تصوير متكرر.. إعادة المشهد اكثر من مرة.. واختيار ملابس معينة.. كلمات محسوبة ومدروسة.. ومواقف مصطنعة لجذب التفاعل.. ثم مونتاج ثم تخرج للجميع كمحتوى أيًا كان نوعه، فالخطورة هنا لا تكمن فقط في الظهور.. بل في غياب أي وعي لدى الطفل بما يحدث.. فالطفل لا يفهم معنى أن تحفظ صورته للأبد على الإنترنت.. بل لا يدرك أن ما ينشر اليوم قد يطارده غدًا وفي المستقبل في المدرسة أو العمل أو الحياة الاجتماعية.

كما أنه للاسف هناك اشكال متعددة للاستغلال؛ فاستغلال الأطفال على السوشيال ميديا لا يأتي بشكل واحد بل اتخذ صورًا متعددة منها الاستغلال التجاري فاستخدام الطفل في الإعلانات أو الترويج لمنتجات أو جذب المشاهدات لتحقيق أرباح مادية دون أي اعتبار لتأثير ذلك على نفسيته أو راحته، كما أن هناك استغلالا عاطفيًا وهو تصوير بكاء الطفل أو مرضه أو لحظات ضعفه لجذب التعاطف وزيادة التفاعل، كما  يوجد ايضا الاستغلال السلوكي وهو إجبار الطفل على تقليد سلوكيات أو ألفاظ لا تناسب عمره لأداء أدوار تتجاوز براءته وطفولته، هناك من ينشر تفاصيل دقيقة عن حياة الطفل اليومية، مشكلاته.. عقابه.. وحتى لحظات الإحراج وكأن حياته ملكًا عامًا للجميع، في كل هذه الحالات للاسف الطفل لا يملك حق الرفض ولا يستطيع التعبير عن الاذى الذي قد لا يظهر وقتها، فـ للاسف العدسة قد تلتقط الضحكة لكنها لا تلتقط القلق والأذى لدى الطفل.. فقد يظهر الفيديو ممتعًا لكنه لا يظهر ما يتركه داخل الطفل وهذا ما شاهدته اكثر من مرة وكان آخرها في واقعة لافتة أثارت جدلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي؛ انتشر مقطع فيديو يظهر طفل يواجه والديه أثناء بث مباشر يعترض بشكل صريح على ظهوره المتكرر في مقاطع لايف اعتاد والداه تقديمها لجمهور المتابعين.. المشهد لم يكن عابرًا أو عفويًا بل حمل ملامح توتر واضحة داخل المنزل، حيث بدا الطفل منزعجًا ورافض للكاميرا التي كانت تعمل كالمعتاد في وقت كان فيه الأبوان يحاولان الاستمرار في التصوير دون الالتفات لاعتراض الابن.. في حقيقة الأمر ظهر الطفل وهو يحاول الابتعاد عن إطار الكاميرا، مطالبًا بإيقاف التصوير ومؤكدا أنه لا يرغب في الظهور أمام المتابعين.. نبرة صوته كانت حاسمة وحركاته عكست شعورًا واضحًا بالضيق والإحراج خاصة مع استمرار البث رغم اعتراضه المتكرر، وفي لحظة عبر الطفل عن رفضه بكلمات مباشرة قائلًا لوالديه: «إن حياته الخاصة ليست مادة تقدم كمحتوى»، في جملة أثارت تفاعلا واسعًا بعد تداول الفيديو، لكن محاولات الوالدين لاحتواء الموقف بدت محدودة؛ إذ استمر البث دون توقف بينما واصل الطفل التعبير عن انزعاجه وكأنه يحاول استعادة مساحة شخصية فرض عليه التنازل عنها أمام عدسة الهاتف؛ فالمشهد أظهر بوضوح صراعًا غير متكافئ بين رغبة طفل في الخصوصية وإصرار والديه على الاستمرار في الظهور أمام الجمهور، فخلال دقائق الفيديو بدا أن الطفل على دراية كاملة بأن التصوير موجه إلى متابعين غرباء وليس مجرد تسجيل عائلي عابر وهو ما زاد من حدة اعتراضه، فقد حاول أكثر من مرة لفت انتباه والديه إلى إحساسه بالضيق مطالبًا بإيقاف التصوير أو على الأقل إبعاده عن المشهد دون استجابة فورية.. وفي الحقيقة الواقعة اكتسبت زخمًا أكبر بعد انتشار المقطع على نطاق واسع، حيث أعاد المستخدمون تداوله مصحوبًا بتعليقات متباينة بين من اعتبر موقف الطفل تعبيرًا عن وعي مبكر بحقوقه الشخصية والخصوصية.. ومن رأى في المشهد نموذجًا لتحول الحياة الأسرية إلى مساحة مفتوحة أمام الجمهور والفيديو كشف تفاصيل دقيقة عن كيفية تحول لحظة داخل بيت خاص إلى مشهد عام بمجرد تشغيل البث المباشر، حيث لم يعد الخلاف محصورًا داخل الأسرة بل أصبح مادة متداولة بين آلاف المشاهدين، كما أظهر المقطع أن الطفل لم يكن طرفًا سلبيًا في المشهد بل حاول فرض موقفه بوضوح رافضًا أن يكون وجوده مجرد عنصر لجذب التفاعل أو زيادة عدد المشاهدات.. اللافت في الواقعة أن اعتراض الطفل لم يكن على الكاميرا فقط بل على الفكرة نفسها إذ عبر عن رفضه لتحويل حياته اليومية ومشاعره وتصرفاته إلى مادة تُعرض على الآخرين دون رغبته، وهو ما جعل المقطع يثير اهتمامًا خاصًا باعتباره مشهد نادر لطفل يعلن اعتراضه الصريح أمام جمهور مفتوح، بينما لم يتجاوز الفيديو بضع دقائق إلا أنه فتح مساحة واسعة للنقاش بعدما تحول مشهد عائلي بسيط إلى واقعة عامة تعيد طرح أسئلة حول حدود الخصوصية داخل البيوت وكيف يمكن للبث المباشر أن ينقل الخلافات من نطاقها الطبيعي إلى فضاء مفتوح بلا قيود، وفي نهاية المقطع ظل الطفل متمسكًا بموقفه ومحاولة الابتعاد عن الكاميرا في وقت استمر فيه البث لتنتهي الواقعة عند هذا الحد بعد أن أصبحت لحظة الرفض موثقة ومشتركة مع جمهور لا يعرف تفاصيل الحياة خلف الشاشة لكنه شاهد اعتراضا واضحا لطفل أراد فقط أن يحتفظ بحياته بعيدًا عن عدسة الهاتف واللايفات والسوشيال ميديا.

للاسف ظاهرة اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي خلال الفترات الماضية.. عنوانها العريض الأطفال وسيلة للشهرة والربح.. آباء وأمهات استبدلوا دور الحماية بدور المنتج.. ودور التربية بدور صانع المحتوى.. فصارت حياة الطفل تعرض على الهواء.. وللأسف جزء كبير من الأزمة لا يقع فقط على صانع المحتوى بل على المتلقي أيضًا، فكل مشاهدة وكل مشاركة وكل تعليق تسهم في استمرار هذا النوع من المحتوى، فتحول الاستغلال الى مشهد عادي.. بل ومطلوب في ظل غياب وعي حقيقي بخطورة ما يحدث.. فأصبح الطفل مادة للنقاش والسخرية والتقييم دون أن يسأل أحد ماذا سيحدث له بعد أن تنطفئ الأضواء؟، ومع تصاعد هذه الظاهرة لم يعد الأمر مجرد نقاش مجتمعي بل تحول الى قضية تستدعي التدخل.. مع تصاعد هذه الظاهرة، لم يعد الأمر مجرد نقاش مجتمعي، بل تحول إلى قضية تستدعي التدخل. 

ضغط نفسي

تحذر الدكتورة أمل شمس أستاذ علم الاجتماع من هذا الظهور قائلة: إن استغلال الأطفال على مواقع التواصل الاجتماعي لا يمكن فصله عن التحولات العميقة التي طرأت على المجتمع خلال السنوات الأخيرة، كما أن الأسرة لم تعد فقط وحدة للحماية والتنشئة، بل تحول بعضها إلى مساحة انتاج وعرض وتخضع لمنطق السوق والتفاعل الرقمي .. كما أن السوشيال ميديا اعادت تعريف النجاح داخل المجتمع .. فبات الظهور والشهرة وعدد المتابعين رموز للقيمة الاجتماعية وهو ما دفع بعض الاسر لاستخدام اطفال باعتبارهم وسيلة سريعة للوصول الى هذا الاعتراف المجتمعي.. كما ان الطفل في هذه الحالة يفقد مكانته الطبيعية داخل الأسرة كطرف يحتاج إلى الرعاية ويعاد تقديمه كأداة جذب، مما يخلق علاقة غير متوازنة بين الطفل ووالديه تقوم على الأداء بدل من الاحتواء، كما أن اخطر ما في الظاهرة هو تطبيع الاستغلال .. حيث يتحول انتهاك خصوصية الطفل إلى سلوك مقبول اجتماعي.. بل ومبرر تحت عناوين مثل الترفيه أو المحتوى العائلي.. ما يؤدي إلى تآكل تدريجي لمفهوم الطفولة ذاته.. ويحذر من أن استمرار هذا النمط قد ينتج جيلا يرى نفسه من خلال نظرة الجمهور لا من خلال هويته الحقيقية، ويعاني من تشوش في الأدوار داخل الأسرة، ويفتقد الإحساس بالأمان داخل بيته، كما أن المجتمع الذي يسمح بتحويل اطفاله الى محتوى، يعيد انتاج اشكال جديدة من العنف الرمزي.. اخطر من العنف المباشر. 

ليضيف الدكتور علي عبد الراضي، استشاري الصحة النفسية وعضو الاتحاد الدولي للصحة النفسية؛ أن الأذى الناتج عن استغلال الأطفال على السوشيال ميديا غالبًا ما يكون صامتًا ومؤجلا ولا يظهر في لحظة التصوير أو النشر بل يتكشف مع مرور الوقت، كما أن الطفل الذي يُجبر على الظهور المتكرر أمام الكاميرا يتعرض لنوع من الضغط النفسي المستمر.. لأنه يعيش حالة مراقبة دائمة حتى داخل منزله الذي يفترض أن يكون أكثر الأماكن أمانا، فالطفل هنا لا يعيش حياته الطبيعية، بل يؤدي دورًا مرسومًا ومع التكرار يبدأ في فقدان القدرة على التمييز بين ذاته الحقيقية وصورته أمام الجمهور، كما أن ربط القبول الأسري بعدد المشاهدات أو التفاعل يجعل الطفل أكثر عرضة للقلق والخوف من الفشل، ويجعله حساسا بشكل مفرط تجاه النقد، وغير قادر على بناء ثقة مستقرة في ذاته، كما أن التعرض المبكر للتنمر الإلكتروني أو التعليقات الجارحة قد يؤدي إلى اضطرابات في تقدير الذات، وميول انعزالية أو عدوانية، وصعوبات في العلاقات الاجتماعية والعاطفية، كما يبدو اليوم فيديو عابر لكنه قد يتحول بعد سنوات إلى جرح نفسي عميق يصعب علاجه.

وهم بالسيطرة

ليستكمل المهندس احمد هاني، خبير تكنولوجيا المعلومات والأمن الرقمي قائلا: إن أخطر ما في استغلال الأطفال عبر السوشيال ميديا هو الوهم بالسيطرة حيث يعتقد كثير من صناع المحتوى أنهم يتحكمون فيما ينشر وما يحذف بينما الواقع الرقمي يقول عكس ذلك تماما، كما أن الإنترنت لا ينسى وأي محتوى ينشر يمكن نسخه وإعادة استخدامه أو تداوله خارج السياق الأصلي حتى لو تم حذفه، كما أن صور وفيديوهات الأطفال قد تقع فريسة لإعادة النشر على منصات غير آمنة، وللاستخدام في محتوى مسيئ أو غير أخلاقي، وللاستغلال التجاري دون علم الأسرة، كما أن البث المباشر يمثل مستوى أعلى من الخطورة لأنه يكشف تفاصيل الحياة الأسرية لحظة بلحظة، ويسمح بتدخلات وتعليقات فورية من غرباء، ويصعب التحكم في تداعياته أو ايقاف تأثيره بعد انتهاء البث، كما أن كثيرًا من الأسر لا تدرك أن الخوارزميات تحتفظ بالمحتوى وتعيد ترويجه وهو ما يعني أن الطفل قد يظل حاضر رقمي لسنوات دون إرادته، كما أن ما ينشر اليوم بدافع الشهرة قد يتحول غدًا إلى تهديد حقيقي لخصوصية الطفل وأمنه الرقمي.   

خطوة مهمة

وفي هذا الشأن اكد المجلس القومي للطفولة والأمومة؛ أن تنظيم استخدام الهواتف المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية من قبل الأطفال يعد أحد المحاور الجوهرية في السياسات الوطنية الموحدة لحماية الطفل، وذلك في ظل التوسع المتسارع الذي تشهده البيئة الرقمية، وما يصاحبه من مخاطر متزايدة، كما يدعو المجلس القومي للطفولة والأمومة إلى الاستفادة من التجارب الدولية الرائدة، وتبني نموذج متوازن يجمع بين التنظيم الفعال لاستخدام الأطفال للإنترنت بما يتيح الاستفادة من إيجابياته، وتعزيز الرقابة على المحتوى المقدم للأطفال، بما يضمن حمايتهم من المخاطر المحتملة الناتجة عن الاستخدام غير الآمن للإنترنت، ويشدد المجلس على حظر تعريض الأطفال لأي محتوى ضار أو غير ملائم لأعمارهم، أو إخضاعهم لأي شكل من أشكال التنمّر أو الابتزاز أو الاستغلال الإلكتروني، كما يحظر تصوير الأطفال أو تداول صورهم أو بياناتهم الشخصية، أو التواصل معهم عبر الوسائط الرقمية خارج الأطر الرسمية والقانونية المعتمدة، ويؤكد المجلس أن حماية الأطفال في الفضاء الرقمي لا تقتصر على التدخل بعد وقوع الخطر، بل تبدأ بالوقاية والتوعية، من خلال تعزيز الاستخدام الآمن والمسئول للتكنولوجيا، وبناء وعي الأطفال والأسر والمؤسسات بمخاطر العالم الرقمي، وآليات الحماية وسبل الإبلاغ، ويناشد المجلس الأسر، وكافة المؤسسات التعليمية والاجتماعية، ومقدمي الخدمات للأطفال، الاضطلاع بدورهم في المتابعة والرصد المبكر لأي مخاطر رقمية، والتدخل الفوري لحماية الأطفال، مع التأكيد على أهمية الإبلاغ عن أي انتهاكات أو حالات اشتباه في إساءة رقمية عبر الآليات المعتمدة، وذلك من خلال خط نجدة الطفل (16000) التابع للمجلس القومي للطفولة والأمومة، ويؤكد المجلس أن جميع البلاغات والبيانات يتم استقبالها والتعامل معها بسرية تامة، مع مراعاة كاملة لخصوصية الأطفال وذويهم، ويجدد المجلس القومي للطفولة والأمومة التزامه الكامل بالتعاون مع كافة الجهات المعنية، لضمان توفير بيئة رقمية آمنة تحمي أطفال مصر، وتصون حقوقهم، وتدعم تنشئتهم في إطار من الأمان والوعي والمسئولية.

كما أكدت الدكتورة سحر السنباطي، رئيسة المجلس القومي للطفولة والأمومة؛ أن توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، بدراسة وإعداد تشريع ينظم أو يحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال، يُعد خطوة بالغة الأهمية، ويعكس إدراكًا عميقًا لحجم التحديات والمخاطر المتسارعة التي يتعرض لها أطفالنا في الفضاء الرقمي.

وأضافت السنباطي؛ أن وسائل التواصل الاجتماعي، رغم ما تحمله من فرص للتعلم والتواصل، أصبحت في كثير من الأحيان بوابة لمخاطر جسيمة تهدد الأطفال، وفي مقدمتها التعرض للتنمر الإلكتروني، والاستغلال، والمحتوى غير الملائم لأعمارهم، فضلًا عن مخاطر الإدمان الرقمي والعزلة الاجتماعية، وما يترتب عليها من تأثيرات سلبية على الصحة النفسية والسلوكية للأطفال.

وأشارت إلى أن أهمية هذا التوجيه الرئاسي يضع مصلحة الطفل الفضلى في صدارة التشريعات والسياسات العامة، ويؤكد أن حماية الأطفال في العالم الرقمي لم تعد مسألة تربوية فحسب، بل مسئولية تشريعية ومجتمعية، وأمنًا قوميًا فكريًا في آنٍ واحد.

وأكدت رئيسة المجلس؛ أن المجلس سبق أن تقدم بمقترح تشريعي يتضمن حجب بعض المواقع والتطبيقات غير الملائمة للأطفال، ووضع ضوابط واضحة لاستخدام المنصات الرقمية وفقًا للفئات العمرية المختلفة، وذلك في إطار رؤية شاملة تهدف إلى تحقيق التوازن بين حق الطفل في التعلم والتواصل، وحقه الأصيل في الحماية.

وأكدت السنباطي دعم المجلس الكامل لهذا التوجه الرئاسي، واستعداده لتقديم الدعم الفني والتشريعي اللازم للمساهمة في إعداد إطار قانوني متكامل، يعزز دور الأسرة والمؤسسات التعليمية، ويرسخ ثقافة الاستخدام الآمن والمسئول للتكنولوجيا، بما يضمن تنشئة رقمية آمنة لأطفال مصر.

حماية الطفل

ويقول د.صبري عثمان، مدير خط نجدة الطفل بالمجلس القومي للطفولة والأمومة، إن العديد من الدول بدأت بالفعل في مواجهة المخاطر الرقمية التي تهدد الأطفال عبر تشريعات وتجارب عملية، مشيرًا إلى أن أستراليا أصدرت قانونًا لحماية الأطفال على الانترنت دخل حيز التنفيذ في ديسمبر 2025، بينما أطلقت بريطانيا قانون مشابه منذ عام 2023 وبدأت مرحلته الثانية في 2025، كما أن تركيا ناقشت مؤخرًا دراسة شاملة تضمنت أكثر من 82 مقترحًا لمواجهة الاستخدام غير الآمن للإنترنت بين الأطفال، مؤكدًا أن مصر تعمل حاليًا على إعداد مشروع قانون خاص بحماية الأطفال على وسائل التواصل الاجتماعي.

وفي النهاية أضاف إسلام محمد المحامي؛ أن التشريعات المصرية لم تترك مسألة استغلال الأطفال دون رادع، فالقانون يتعامل مع الطفل باعتباره صاحب حق أصيل في الحماية، وليس مجرد تابع لولي امره، كما ينص قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 والمعدل بالقانون 126 لسنة 2008 على أن الطفل يعد معرض للخطر إذا تعرض لأي شكل من اشكال الإيذاء أو الاستغلال سواء كان بدني أو نفسي أو أخلاقي، كما ان استغلال الطفل في محتوى رقمي يسيء لكرامته أو يعرضه للضغط النفسي أو التشهير، يدخل ضمن مفهوم تعريض الطفل للخطر، والعقوبة في هذه الحالة قد تصل إلى الحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة مالية، وتضاعف العقوبة في حال التكرار أو ثبوت تحقيق مكاسب مادية، كما يجيز القانون اتخاذ تدابير حماية عاجلة مثل منع نشر المحتوى، أو إبعاد الطفل عن مصدر الخطر، وتدخل النيابة العامة دون الحاجة لشكوى مباشرة إذا ثبت وجود ضرر، كما ان موافقة الأب أو الأم لا تسقط الجريمة، فالقانون ينص بوضوح على أن مصلحة الطفل هي المعيار الأول وليس رغبة الأسرة أو تحقيق الشهرة، وأي تصرف من ولي الأمر يضر بالطفل نفسي أو اجتماعي يعد مخالفة قانونية، كما انه في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند مخالفة بل يتحول إلى جريمة جسيمة، فقانون مكافحة الاتجار بالبشر رقم 64 لسنة 2010 ينطبق إذا تم استخدام الطفل بشكل منظم ومستمر لتحقيق ربح، أو جرى التعامل مع الطفل كوسيلة للإعلان أو الكسب، او وجد استغلال واضح لحالة الضعف أو عدم الإدراك وفي هذه الحالات تصل العقوبة إلى السجن المشدد وغرامات مالية كبيرة، بل وتشدد العقوبة إذا كان الجاني من أقارب الطفل أو المسؤولين عنه، فالنهاية القانون المصري لا ينظر للطفل باعتباره أداة للرزق أو الشهرة، وأي محتوى يضر به بشكل نفسي أو أخلاقي، بل يعد جريمة مكتملة الأركان حتى لو تم داخل الأسرة وبموافقة الأبوين.

اقرأ أيضا: السوشيال ميديا والدراما.. القاتل الصـامت للعلاقات الزوجية

;