حين نتحدث عن قطاع الزراعة فى مصر، فإننا لا نتحدث عن قطاع اقتصادى عادي، بل ركيزة من ركائز الأمن القومي، ومصدر رزق لملايين الأسر، ومساحة أمل لمستقبل أكثر استقرارًا، فمصر فى جوهرها دولة زراعية، والزراعة لم تكن يومًا مهنة فحسب، بل كانت حضارة، وعلمًا، وأسلوب حياة، ومن رحم هذه الأرض خرج علماء وباحثون زراعيون سطّروا أسماءهم فى تاريخ العلم، وأسهموا فى تطوير المحاصيل وتحسين أساليب الرى والإنتاج، فكانوا شركاء حقيقيين فى بناء الأمن الغذائى لهذا البلد.
فالزراعة فى عصرنا الحالى لم تعد قائمة على الخبرة المتوارثة وحدها، بل أصبحت علمًا دقيقًا يعتمد على البيانات، والتجارب، والتكنولوجيا، والابتكار، وإيمانى بقيمة الزراعة لا ينبع من موقعٍ تشريعى وعضو بلجنة الزراعة بمجلس الشيوخ بل من قناعة شخصية وسنين شبابى قضتها فالزراعة كمهنة فأنا ابن الأرض ومن أجل الأرض أسعى وأعمل، ولهذا أضع ملف الزراعة على رأس أولوياتى تحت قبة مجلس الشيوخ، ليس باعتباره ملفًا خدميًا عابرًا، بل باعتباره قضية وطن ومستقبل أجيال.
إن من يعرف قيمة الأرض، يدرك أن الاستثمار الحقيقى ليس فيما فوقها فقط، بل فيما يُزرع فيها من علم ومعرفة وتخطيط، ومن هنا تبرز أهمية مركز البحوث الزراعية بوصفه المؤسسة التى تمثل العقل العلمى للزراعة المصرية، وفقًا للإحصائيات كل استثمار فى البحث الزراعى يمكن أن يحقق عائدًا اقتصاديًا يتراوح بين 20% و40% على المدى المتوسط، وهى نسب تعكس حجم التأثير الحقيقى للبحث العلمى على الإنتاجية وجودة المحاصيل وتقليل الفاقد ورفع كفاءة استخدام الموارد.
تطوير مركز البحوث الزراعية المقترح الذى تقدمت به فى مجلس الشيوخ لا يعنى فقط تحديث مبانٍ أو إدخال أجهزة حديثة، بل يعنى بناء منظومة معرفية قادرة على استنباط أصناف جديدة تتحمل الملوحة والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وتطوير نظم رى ذكية قادرة على خفض استهلاك المياه بنسبة قد تصل إلى 30% دون التأثير على حجم الإنتاج، وهنا يصبح البحث العلمى أداة لحماية الأمن المائى بقدر ما هو وسيلة لتعزيز الأمن الغذائي.
فالتحدى الأكبر لا يكمن فى إنتاج الأبحاث فقط، بل فى تحويل نتائجها إلى تطبيقات عملية تصل إلى الحقول وتُترجم إلى عائد اقتصادى حقيقي، ومن هذا المنطلق، تقدمتُ بمقترح متكامل يهدف إلى تطوير مركز البحوث الزراعية وتعظيم دوره فى دعم القطاع الزراعي، فلابد من فرض ضريبة بحثية بنسبة 1% على المنتجين الزراعيين تُخصص لتنمية موارد مركز البحوث الزراعية، إلى جانب تعزيز الشراكات بين المركز والقطاع الخاص، بما يسهم فى تحويل نتائج الأبحاث إلى تطبيقات عملية تخدم المزارع والاقتصاد الوطني.
ولابد من إنشاء جهاز حكومى مختص بدعم وتمويل البحث العلمي، مع الاستغلال الأمثل لمخرجات البحوث الزراعية من خلال تطوير المنتجات البحثية وتسويقها، وزيادة نسب الشراكة بين المركز والقطاع الخاص.
ودعوتُ كذلك إلى إنشاء إدارة تسويق متخصصة للأبحاث الزراعية تهدف إلى تفعيل ما يتم التوصل إليه من نتائج علمية، مع أهمية تنظيم مؤتمر دورى للبحث العلمى الزراعى، وتشكيل لجنة للسياسات البحثية داخل مركز البحوث الزراعية، مع البحث إنشاء منصة تكنولوجية حديثة لاستغلال الأرشيف البحثى لمركز البحوث الزراعية.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







